مقالات

الفرق بين “الاسلام التركي” و”الاسلام الفارسي”.. مع أن الاثنين عجم.

عمر سعيد/ تركيا

خاص “المدارنت”..

لقد اكتسب الأتراك، نتيجة السنوات العميقة في إدارة الحكم والبلاد، خبرات جعلتهم جديرون بما يسعون إليه، فبعد سقوط الامبراطورية العثمانية، انصرف العلمانيون في تركيا بدولتهم التي أقاموها إلى لملمة شعبهم، وتضميد تركة الجراح التي ورثوها عن العثمانيين، وإلى السير الهادىء نحو الدولة المدنية التي بلغوها.
إلى أن وصل الإسلاميون في تركيا إلى السلطة، وبعملية ديموقراطية، أسست لها الدولة العلمانية المدنية.
فماذا لو أن تركيا ما بعد العثماني، كانت قد بدأت بدولة إسلامية؟ ترى كيف كان سيكون شكلها؟ وتوجهاتها؟ وهل كانت ستكون دولة مدنية؟
هذه الأسئلة تذهب بنا إلى مقارنة التجربة التركية مع ما يحصل في إيران.
فقد أسقطت ثورة الخميني، حكم بهلوي في إيران، بموجة شعبية عارمة، غير أن هذه الثورة أخذت تسير بالدولة إلى الوراء وبكل قوة.
سيعلق البعض على أن التحديات فرضت الثورة الإيرانية ذلك.
وسنقول التحديات التي ورثتها الدولة التركية المدنية، كانت أقسى بكثير، بخاصة وأنها كانت وريثة أمة منهزمة أمام العالم.
فيما كانت تحديات إيران مع مخلفات الشاه الأمنية والتنظيمية.
لكن الفرق الأساسي هو في المشروعين.
فقد بدا واضحا للجميع أن المشروع التركي هو المواطن التركي، أولًا، وعبر نظام مدني يقدم الفرص ضمن معيار الكفاءة.
كذلك بدا واضحا وللجميع المشروع الفارسي، الذي بدا ولا يزال مشروعًا طائفيًا، يقوم على فكرة الاستثمار في الشيعية في المنطقة والعالم.
بلغ المشروع التركي أهدافه التي مكنته من الانفتاح، فصارت تركيا، مركز سياحة لا يستهان به، ونقطة تجارة قادرة على الإفادة مما بذلت من جهود، ولقد تجلى وضوح الرؤية التركية من خلال التعاطي مع أزمات المنطقة، فالأتراك وإن دخلوا أزمة، لهم من الدوافع الذاتية والداخلية ما يساعدهم على التعاطي معها والخروج منها بهدوء، وبأقل الخسائر، والمشكلة السورية أوضح مثال على ذلك.
فيما نرى أن الفارسي، قد تمكن من عزل نفسه، ومحاصرة دولته، وكل ذلك بكم العداءات والكراهيات والدسائس التي سطرها خلال تجربة المعممين الملتحين هناك.
فإيران، مكروهة من داخلها أولًا، وبنسبة لا يستهان بها، وما مرد الأمر فقط إلى الضغوطات الإقتصادية التي مُني بها المواطن نتيجة هذا النوع من الحكم، بل يعود الأمر إلى ضياع حدود الدولة في دوائر صلاحيات الملالي والمرشد.
فقد فقدت إيران، أطر الدولة الواضحة والقابلة للتطوير وفقا لمصالح المواطن، ودخلت في أهواء المتنفذين وأصحاب القرارات، لذا كثرت الاختراقات والمشاكل، وصارت الدولة كالدملة التي تقيحت جدا، وبات أمر بجها ملحًا ليستكين باقي الوطن من عوارضها التي تأزمت.
ناهيك عن كراهية إيران لمحيطها، تلك الكراهية التي استثارت بها عداوات دول الجوار كافة.

تستقبل تركيا الزائرين من كافة الجنسيات، والأديان والمعتقدات، ويدخلها الوافد مطمئنًا، سارحًا في ربوعها بكل حرية وطمأنينة.
فيما لا يدخل إيران، إلا كل من حاز على توقيع من رجل دين موال لسياسة المرشد، ويظل طوال فترة مكوثه فيها تحت المراقبة والمتابعة، وهو عرضة للاختفاء في سجونها وفي أي لحظة.

والدولتان تعتمدان التوجه الإسلامي في الحكم، غير أن إسلام إيران، إسلام إقصائي، يقوم على تفكيك الجوار كله لتمكين نفسه، ويعزز الإنغلاق بشكل جعل الضاحية الجنوبية في بيروت، معزولة عن كل لبنان، لئلا يتأثر سكانها بافكار من قد يختلطون بهم من التنويريين.

فيما يقوم الإسلام التركي على مزيد من المرونة، والانفتاح، والتواصل مع القاصي والداني، بهدف التسويق إلى الإيجابية التي يتمسك بها الاتراك في إدارة شؤون بلادهم.
تلك الإيجابية التي جعلت المواطن التركي متاح أمامه السير في شارع يتصادف فيه مع مئات الأشخاص من جنسيات متعددة، ومن ثقافات وموروثات وسلوكيات تشكل خزان إثراء لا يستهان به..
الأمر الذي يهيئه لمزيد من العلاقات المتداخلة الأبعاد. وهذا يرشح المجتمع التركي إلى مزيد من النهضات التي يطمح إليها.

فيما تقوم الدولة الفارسية على تأجيل – إن لم نقل إلغاء – كل ما يخدم مجتمعها إلى ما بعد الملف النووي، وانجاز مشاريع أفرع الثورة التوسعية في دول الجوار.

وهذا ما جعل المواطن الفارسي جاهزًا إما للجهل أو التجاهل، أو للقتل أو للعزلة القاتلة، أو للصمت السلبي. وبالتالي خلت شوارع طهران من غير المعممين والملتحين والحرس الثوري والأمن المهتم لشأن الحكم لا لهموم المواطن.

ولكم أن تتخيلوا نوع الإسلام، الذي سينتج عن هكذا بيئة سلبية، تتهم العالم كله بالتآمر عليها، وتقنع نفسها بأنها الفرقة الناجية، وما خلاها شياطيين.

فما هو واقع حال كل من الإسلامين على السنوات العشر القادمة في البلدين، وتأثيره على الجوار؟! لتبقى الإجابة على هذا السؤال ملك الوقت، والمحللين، وخواتيم السعي الذي يبذله كلا البلدين.
عمر سعيد

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى