الكواكبي.. في ذكرى وفاته..

خاص “المدارنت”..
يقول المفكر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي رحمة الله عليه، الذي قتلته “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، والذي توفي في القاهرة، متأثراً بسمّ دُسّ له في فنجان القهوة، يوم الجمعة 6 ربيع الأول لعام 1320 هـ. الموافق 13 يونيو 1902 ودفن عند جبل المقطم.
وقد رثاه كبار رجال الفكر والشعر والأدب في سوريا ومصر.. ونقش على قبره بيتان للشاعر الكبير حافظ إبراهيم يقول فيهما:
هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
قفوا وأقرأوا أم الكتاب وسلموا عليه فهذا القبر قبر الكواكبي.
“الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب، لقال:
“أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال”.
ويقول ٲيضا: “الأُمة التي لا يشعر كلها أو أكثرها بآلام الإستبداد لا تستحق الحرية”.
“فالاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس ٳلې اعتقاد أن طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع!
والمشتكي المُتظلِّم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح!
ويُصبح -كذلك- النُّصح فضولا، والغيرة عداوة، والشهامة عتوّا، والحميّة حماقة، والرحمة مرضا!!
كما يعتبر أن النفاق سياسة! والتحيُّل كياسة! والدنائة لطف! والنذالة دماثة!”.
ٲما “ٲسير الاستبداد يعيش خاملا خامدا ضائع القصد حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه كأنه حريص على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب”.
وعليه، وبناء على ذلك، فإنني أقول: من دون الدخول في جدلية تعريف الاستبداد، لغة واصطلاحا وغيرها من التعريفات الأخرى، وكذلك تعريف الثقافة وسيكولوجيتها.. ومن دون الدخول في ذلك كله, فإننا إذا نظرنا وبعمق إلى واقعنا كأمة، لوجدنا بأن ثقافة الاستبداد والاستعباد هي التي تسيطر على الوعي الجمعي الاجتماعي للأمة عموما ونخبها.. بخاصة وفي جزء كبير منهما, ليست السياسية فقط وإنما الأسرية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وغيرها, بحيث تشكل تلك الثقافة العمود الفقري لمجتمعاتنا، بما ينتج عنها من آثار مدمرة ووخيمة علينا كأمة، أفراد ومجتمعات وشعوب،في وقتنا الحاضر.
تلك الثقافة المتجذرة في ذلك الوعي.. التي تعتبر نتيجة طبيعية وحتمية تاريخية وانعكاسا حقيقيا لموروث ثقافي استبدادي استعبادي عبر قرون, قائمة على تمجيد الفرد وسلطته وسطوته، والقبول بكل ما يصدر عنه من استبداد واستعباد واعتباره المخلص والمنقذ..
وما ثقافة “المستبد العادل”، إلا خير دليل على ذلك. تلك الثقافة التي ما كان لها بأن تتجذر في ذلك الوعي… للأمة لولا وجود التبريرات لها وخاصة الفقية منها والمرتبطة بالتبرير الديني وشرعنتها دينيا، مما جعلها قضاء وقدرا وحكما مسبقا وجبرية يجب التسليم بها ,طوعية أم جبرية..
فالاستبداد، شرّ كله، وشرّه ما ارتبط بالدين والعقائد التي يؤمن بها المجتمع, وما كان ذلك كله ليحصل لولا وجود فقهاء الاستبداد والاستعباد الذين عملوا على نشر وتجذير تلك الثقافة، لصالح أولئك المستبدين، أضيف إليها حديثا ثقافة الاستبداد الايدلوجي..،
وما نزال إلى الآن نلاحظ وجود فئة ليست بالقليلة من مثقفي الاستبداد والاستعباد تعمل جاهدة على تبريرها خدمة للأنظمة الاستبدادية الاستعبادية الحالية ومدافعة عنها والاستماتة في ذلك. فالفردية وسطوتها وصنميتها وتقديسها وقدسيتها، ما تزال هي المتحكمة والمسيطرة على الوعي الجمعي الاجتماعي عموما، والنخبوي منه خصوصا لنا كأمة, أم العمل الجمعي وثقافته فمازال بعيدا وغريبا واستثنائيا في وعينا, فما بالك بسلوكنا والقبول به..
فما نزال ننظر إلى مصيرنا كأمة، والخروج مما هي فيه.. وعليه.. من خلال إنتظار “الزعيم”، المنقذ والمخلص, مغيبيين دورنا كمجتمعات في ذلك, وما ظاهرة “المهدي” المنتظر و”السفياني” المنتظرو “المستبد العادل”، إلا خير دليل على ذلك..
إننا إذا أردنا اقتلاع شجرة الاستبداد السياسي من واقعنا العربي، ومن ثم بناء نهضة عربية جديدة, لا يمكن له بأن يكون مثمرا يعطي أكله، إلا إذا كان نتيجة طبيعية وانعكاسا حقيقيا لاقتلاع كل أشجار الاستبداد الفردي الأسري والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والجهوي والديني والمذهبي والعرقي، القائم على أساس النوع والايدلوجي.. أو مترافقا معه.
بمعنى آخر، اقتلاع شجرة ثقافة الاستبداد المتجذرة في واقعنا.. والمتحكمة به والمسيرة له. ولن يتم ذلك، إلا إذا اقلتعنا تلك الشجرة الخبيثة, شجرة الاستبداد, من وعينا وأفكارنا وثقافتنا وعقولنا ووجداننا جميعا، وفي المقام الأول من وعي وأفكار وثقافة وعقول ووجدان النخب..!واستبدالها بشجرة الحرية والقبول بالآخر، مهما كان شكله أو نوعه أو صورته أو صفته أو إنتماءه..
من دون ذلك، نكون قد قعلنا واقتلعنا شجرة خبيثة، واستبدلناها بشجرة جديدة، ربما تكون أخبث منها وأشد خطرا..
يقول أفلاطون: “لو ان السماء أمطرت حرية لرأيت بعض العبيد يرفعون المظلات”.
ويقول بوذا: “ان صعاليك البشر هم الذين لا يكفون عن الثرثرة بتوافه الحديث التي تمجد العبودية”.
ويقول سقراط: “الخوف يجعل الناس أكثر حذراً، وأكثر طاعة، وأكثر عبودية”.
ليحاول كل منا العمل على اقتلاع تلك الشجرة.. من وعيه وفكره وثقافته وعقله ووجدانه، كل بقدر استطاعته وقدرته وقدراته، وبحسب إمكانياته وموقعه..
فقد آن الأوان لفعل ذلك…



