مقالات

الناصريّون ومستقبل الناصرية

أحمد ذبيان/ لبنان

 

خاص “المدارنت”

تمرّ الذكرى التاسعة والستّون للثورة 23 يوليو (تمّوز) غريبة، أكثر من ايّ وقت مضى، فى ظلِّ استمرار الحرب المُرَكَّزة على المشروع النهضويّ العربيّ الذي نادى به، وعمِل له، قائد ورمز هذه الثورة جمال عبد الناصر ورفاقه وأجيال عروبيّة بكاملها على مدى القرن العشرين كلِّه..

كان جمال عبد الناصر، مؤمنًا بأنّ الشعب هو القائد والمعلِّم، وسوف يخرج، باستمرار، من بين صفوفه، أناس يقدِّسون الحرِّيّة ويعشقون الكرامة، ويعملون على النهوض واللحاق بالعصر وبناء مجتمع الكفاية والعدل في دولة الوحدة العربيّة الشاملة، التي ستعيد للعرب دورَهُم في بناء الحضارة الانسانيّة على أسس من القيم العظيمة التي كرّسَها الاسلام في رسالته السماويّة السمحاء..

اجتهد الرجُل، على مدى 18 سنة، من بداية الثورة حتّى وفاته عام 1970، من دون كلل أو ملل، فكانت حركته الداخليّة والاقليميّة والعالميّة، تصبّ كلُّها في خدمة المشروع القوميّ العربيّ، القائم على التحرُّر من الجهل والتخلُّف والتبعيّة والاستعمار، وعلى السعي للنهوض الاقتصاديّ والسياسيّ والثقافيّ، وتحرير فلسطين، والعمل لتحقيق الوحدة العربيّة الشاملة.

تُوُفِّيَ قائد المشروع في 28 أيلول عام 1970، عن 52 عامًا، تاركًا وراءه انجازات كبيرة في كلّ المستويات والمواقع، في الداخل والخارج، واخفاقات كثيرة في عديد من الأهداف والتطلُّعات والطموحات.

لقد أثبتت الوقائع والأحداث، دون أدنى شكّ ، باختصار شديد، أنّ ما بعد جمال عبد الناصر يختلف كثيرًا، في حياة العرب، عمّا كان عليه في ايّامه ؛ إذ أنّ المشروع القوميّ انحسر الى شبه غياب، والاندفاع النهضويّ تحوّل الى رِدَّةٍ مُثقَلَةٍ بالحقد والانتقام، وهجوم الأعداء أصبح أكثر شراسة وطمعًا في تحقيق المشروع الصهيونيّ على أرض العرب، الذين انغمسوا في أتونٍ من الصراعات الداخليّة المُدَمِّرة والمُشَتِّتة والمُفَتِّتَة.

توزّعت ترِكة عبد الناصر الشعبيّة والمعنويّة على رؤساء دول عربيّة وعلى فصائل المقاومة الفلسطينيّة وعلى شخصيّآت وتشكيلات ومجموعات قوميّة تحوّلت، فيما بعد، الى تنظيمات واحزاب “ناصريّة”، في العالم العربيّ، وفي العالم، حيث انتشر مغتربون عرب.

بعد وفاته بسنوات تخلّت السلطة في مصر، على يد أنور السادات، عن المشروع “الناصريّ” ونهجت نهجًا انعزاليًّا مرتبطًا بأمريكا وإسرائيل، الدّ أعداء عبد الناصر والمشروع الذي حمله، وتناتشَ الرؤساء العرب الآخرون، النسيج القوميّ العربيّ، الذي اوجده لهم وهج الزعيم التاريخيّ بعد ان صنعه بمبادئه ونضالاته ومعاركه ومواقفه ومروحة علاقاته الدوليّة الواسعة.

امّا الشخصيّآت والتنظيمات والاحزاب، التي ادّعت السير في طريق “الناصريّة”، فكانت أكثر من أن تُعَدّ او تُحصى؛ فعلى امتداد الوطن العربيّ كله تأسست الكيانات المتنوِّعة التي اخذت على نفسها مواصلة طريق النضال من اجل تحقيق أهداف الأمّة العربيّة في الحرِّيَّة والاشتراكيّة والوحدة.

لا شكّ بانّ كلّ هذه التشكيلات تعرّضت للاضطهاد في معظم الدول العربيّة، وبخاصّة في مصر، وتعرّضت لحرب شعواء من من أعداء العرب ورعاة المشروع الصهيونيّ وأعوانه واذنابه في المنطقة، لكنّ العيب الأساس يكمن في هذه التنظيمات ذاتها؛ إذ انّها ارتكزت على لغة العاطفة وعشق الجماهير لشخصيّة الزعيم ومشروع الامّة الذي ناضل من أجله، ولم تقدر على بلورة آليّاتٍ علميّة تضمن إنتاج اطُر قادرة على الاستقطاب، ورسم السياسات الاستراتيجيّة التي تستطيع تثبيت وجودها في ساحات العمل الوطنيّ والسياسيّ المتغيِّر، في منطقة من أكثر مناطق العالم حيويّة ومثولًا في عين العاصفة العالميّة، باطماعها ومشاريعها التوَسُّعيّة والامبرليّة الفائقة التعقيد والاستراتيجيّات المتجدِّدة.

بدأت تلك التشكيلات تستقطب الجماهير العربيّة الواسعة من فئات الشعب، حيث كان وهج عبد الناصر ما زال قويًّا في كلّ الاوساط، لكنها سرعان ما بدأت تفقد قواعدها بسبب انشغال قياداتها بتحقيق مصالحهم المادِّيَّة والسياسيّة والمعنويّة واهمالهم لعمليّات استقطاب الشباب؛ ممّا ادّى الى ضمورهم وانعزالهم وتقليص امتدادهم وتواجدهم على خارطة العمل السياسيّ في كلّ مكان.

بهذا النهج المخالف، تمامًا، لنهج جمال عبد الناصر في العمل الجماهيريّ، تخلّفت تلك الأحزاب والتنظيمات والتشكيلات “الناصريّة”، عن حركة المجتمعات التي تتواجد فيها تاركةً الساحة لكلّ ما هبّ ودبّ من الأفكار المعادية للمشروع القوميّ الناصريّ الذي كان يشكّل خشبة الخلاص لمسيرة النضال العربيّ في العصر الحديث… وهكذا تفرّق “الاخوة الناصريّون”، الى مئات الكيانات المختلفة، والمتناحرة على فضاء لم يعُد لهم – ان لم نقُل انّه ذهب مع ريح المصالح الخاصّة التي عصفت بالمنطقة العربيّة كلها بعد غياب جمال عبد الناصر.

هل يمكن لمئات الكيانات، هذه، التي يجمعها فكر واحد ورمز واحد، وتفرِّقها مرجعيّات ليس في دفاترها أيّة نيّة نحو ايّ تضامن، ان تستعيد القدرة على حمل مشروع الامّة؟!

ما الذي يجعل هؤلاء الناس، الذين يحملون نفس المبادئ ويسعون لنفس الأهداف، ان يكونوا مُقَسَّمين ومُشَتَّتين بهذا الشكل الانفجاريّ الانشطارِيّ الضَياعِيّ؟!

لا شكّ بانّ المجموعات “الناصريّة”، على اختلاف مُسَمَّياتها واحجامها قد تاهت في طريقٍ اقلّ ما يال فيه انّه ليس طريق جمال عبد الناصر المعروف والمُوَثَّق والواضح، للصديق وللعدوّ، وضوح الشمس، ولا شيء يعيدها الى جادة الصواب “الناصريّة”، الّا اعادة هيكلتِها، جميعًا، في إطار واحد شامل واضح النهج والأهداف يُنتِجُ مشروعًا عروبيًّا حضاريًّا يحاكي متطلِّبات العصر ويستجيب لتحدِّياته وآفاقه العريضة والواسعة .

على كل هذه القوى “الناصريّة”، ان تستلهم من سيرة جمال عبد الناصر قدرتَه العَمَلانيّة وحيَوِيّتَه ونهجه في استقراء المشهد بعمق استراتيجيّ يُمَكَّن آليّات النضال من استعادة دور الجماهير في دفع حركة النهوض الى آفاق الاستطاعة والتمكين واستعادة الدور والمكانة والأمل في بناء الحياة الحرّة الكريمة ..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى