النووي الإيراني ورقة قوة أم بداية النهاية؟

خاص “المدارنت”
عاد الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، لكن هذه المرة في ظروف مختلفة. فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول التخصيب وأجهزة الطرد المركزي، بل أصبحت اختباراً لقدرة النظام الإيراني على الحفاظ على أدوات القوة التي راكمها طوال عقود، من دون أن تتحول هذه الأدوات نفسها إلى عبء يهدد استقراره.
ما تغير هو أن أزمة البرنامج النووي باتت مرتبطة بأزمة ثقة دولية أوسع. فالغموض حول بعض المواقع والمواد النووية، وصعوبة التحقق الكامل، والقلق من مستقبل البرنامج، كلها عوامل تجعل أي خطوة إيرانية موضع قراءة أمنية وسياسية، وليس تقنية فقط.
وإذا عاد الملف إلى مجلس الأمن، فإن ذلك لا يعني بالضرورة الذهاب إلى الحرب، لكنه يعني انتقال الأزمة إلى مستوى أكثر حساسية، وفتح المجال أمام ضغوط دبلوماسية واقتصادية إضافية، وإعادة ترتيب المواقف الدولية والإقليمية تجاه طهران.

لكن المعضلة الإيرانية الحقيقية تكمن في الداخل.
فالتراجع النووي قد يظهر كتنازل أمام الخصوم، بينما يؤدي التصعيد إلى مزيد من العقوبات والضغوط الاقتصادية. وبين الخيارين تحاول طهران الحفاظ على صورة القوة، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني تحديات متراكمة، ويزداد ارتباط الملف الخارجي بأوضاع المجتمع الداخلية.
الأكثر خطورة أن البرنامج النووي لم يعد ملفاً منفصلاً؛ فهو يتقاطع مع النفوذ الإقليمي، والعقوبات، ودور الحرس الثوري، والصراع داخل مراكز القرار، ومستقبل علاقة إيران بالقوى الدولية.|ومن هنا يمكن فهم جوهر الأزمة: النظام الإيراني لا يدافع عن برنامج نووي فقط، بل يدافع عن منظومة نفوذ كاملة.
وتذهب المعارضة الإيرانية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن النووي والنفوذ الإقليمي والقمع الداخلي أجزاء من منظومة واحدة هدفها حماية النظام. وقد يختلف الموقف من هذه القراءة سياسياً، لكنها تطرح سؤالاً مهماً: هل يمكن إنهاء الأزمة النووية بصورة دائمة من دون معالجة جذورها السياسية؟
أمام طهران ثلاثة خيارات: تسوية مؤقتة، أو تصعيد محسوب، أو الانزلاق إلى أزمة مفتوحة. ولا يبدو أي منها بلا تكلفة.
لذلك فإن القضية اليوم ليست: هل ستواصل إيران برنامجها النووي؟
بل السؤال الأعمق هو: هل ما زال البرنامج النووي يمنح النظام قوة تفاوضية، أم بدأ يتحول إلى مرآة تكشف حجم أزمته؟

فالملف النووي قد يكون عنوان المواجهة، لكن المعركة الحقيقية أصبحت حول قدرة النظام الإيراني على البقاء وإعادة إنتاج قوته في بيئة إقليمية ودولية تتغير بسرعة.
وهنا تحديداً تبدأ المرحلة الأخطر: عندما تتحول أدوات القوة من وسائل لحماية النظام إلى أسباب إضافية لاستنزافه.



