التشريع الإسلامي يحقق العلاقات الإنسانية وانعكاسها على إنتاجية الإدارة العامة.. الجزء “2”.

خاص “المدارنت”..
… هناك العدد الوفير من تعريفات العلاقات الإنسانية، وبيان دلالاتها لدى علماء الاجتماع ،وعلماء النفس، والفلاسفة، شرقا وغربا، وقد تبدو مختلفة ومتباينة بسبب ارتباط التعريف برؤية صاحبه لمفهوم العلاقات وأبعادها، لكن يبقى المجموع يُجمع على ابراز عنصر هام مشترك فيما بينهم وهو العنصر المتعلق بالفرد، كإنسان، اولا واخرا، وهو جوهر عملية الاتصال والتواصل عبر علاقات وروابط اجتماعية وعملانية، لأن المفهوم ما هو الا دليل تفاعل الأفراد وتواصلهم المتبادل، إذ يستحيل استمرار الجماعة الإنسانية على التكوّن والانتاج، دون عاملي: التفاعل، والتواصل، كما أنهما الاصل الفطري الوجود الإنساني.
وهنا تجدر الاشارة، إلى أن مفرد علاقات ،علاقة، وهذا المفرد، يمكن أن يكون علاقة ودٍ وحب، أو أن يكون علاقة كره وخصومة، لكن ملازمة كلمة الإنسانية للكلمة العلاقات، فيُقصد بها مجتمعة على تحقق الصفات الحميدة في ذات صاحبها، الإنسان الفرد، إذ أن الصفة التي يحملها الإنسان، يتميز بها عن غيره، ومن جهة ثانية، فالإنسان يحمل العديد من الصفات، والتي يمكن لها أن تكون متعارضة متناقضة، وهذا مرتبط بالظروف الزمانية والمكانية، وخلاصة الأمر تصب في الصفة الغالبة على طبعه ومذاجه، فيتصف بها وتسيطر على ذاته.
وللبيان، فإن أبرز مظاهر العلاقات الإنسانية انما تتمحور حول ظاهرة الانسجام الفكري، والتعاون العملي، بين أفراد المجتمع، على اعتبار ذلك من أفضل وأشمل أشكال التفاعل والتواصل الإيجابي الانساني، واعتباره، ايضا، الأساس الطبيعي لأداء الأعمال الناجحة، وانعكاسه العملاني دليل تحقق الجودة العالية في الإدارة العامة فيما تبتغي من تكوين وبناء، إلى جانب مهاراتها في التطوير وإشباع حاجات الأفراد وميولهم الحياتية.
وعلى هذا الاساس، تتحقق أبعاد مفهوم العلاقات الإنسانية جرّاء تفاعل الأفراد في جميع مجالات حياتهم العملية اليومية، عن طريق تعميق أسس الفهم والإدراك المتبادل، من خلال التوعية المستدامة، مع تنمية الموارد البشرية وتزويدها بالعلم والمعرفة. وهذا ما يجب أن نشاهده داخل المؤسسات في صوره التنظيمية الفاعلة، حيث نجد الأفراد يرتبطون بنوع من النظام والانضباط والقوننة، من أجل تحقيق هدف معيّن محدد.
وهكذا فالعلاقات الإنسانية، انما تعتمد العلم والمعرفة في تطبيقاتها العملانية، وممارساتها الفنية. لأنها ذات صلة أساسية بالجانب الإجرائي، وايضا، تهتم بالفعل المؤثر، وتتميز بالحركة الدينامية، وأساس مهمتها ينصب على الإنتاج المثمر الفعال، في التكوين والبناء، على مستوى الأفراد والمؤسسات.
وعليه، فالعلاقات الإنسانية انما تتجه إلى دراسة الفرد، لأنه يمثل وحدة انسانية متكاملة، من وحدة الجماعة، ووحدة التنظيم الإنساني العام، الذي ينسق العمل بين الافراد فيما بينهم، وبين الأفراد كمجموعة، وبين الأفراد كفريق عمل داخل مؤسسة. كما تهتم العلاقات الإنسانية ببناء علاقات، رسمية وغير رسمية، وعلى بنائها يقوم الدمج والتكوين على أساس من التعاون العملي الفاعل، مع ضرورة الإشباع، الحاجيات والميول والرغبات، وبهذا يتحقق الإنتاج الإنساني على كافة الصعد الحياتية ومجالاتها، مع التأكيد على ضرورة تنمية تلك العلاقات الإنسانية وتوثيقها.
وهكذا، فالادارة العامة تتحمل كامل مسؤولية البناء الحضاري، والتقدم العلمي الثقافي، لأنها تمثل مفهوم الدولة، بكامل سلطاتها، وخاصة الإجرائية منها،التي تنفذ السياسة العامة لهيكلة المنظومة السياسية، لذلك تعتبر الإدارة العامة المسؤولة الأولى عن مدى تحقق الدستور وما يطويه من تطبيقات قانونية، كما وأنها المسؤولة عن تنمية وتطوير البرامج الحضارية بأبعادها الإنسانية. لذلك، وجب على الإدارة العامة ،ضرورة، أن تأخذ بمفهوم العلاقات الإنسانية مع كليتها الاسلامية، فتتبع خطوات الرسول (ص) معلما وقدوة، فتكتسب صفة القائد، التي تحرك دفة العمل بفاعلية عالية، ودراية المبادرة. فالادارة العامة (القائد) تدفع العاملين إلى الحماس المتدفق من أجل تحقيق ما رُسِم لهم من برامج واهداف، بشكل متقن سليم، مع ضرورة ملازمة الإشباع للحاجات والميول عن طريق التوجيه والإرشاد والاقناع، دون تسلّط وارغام.
وهكذا، يعتبر العامل الانساني، المدخل الاساس، والمبدا المركزي في تزكية النفس الانسانية ،كقاعدة ثابتة لقيام البناء الانساني، أفرادا وجماعات، مع ضرورة تحقق الكفاءة العلمية والمهارة التقنية،والتي لا بدّ لها إلا أن تأخذ حقها في التحديث والتطوير ،من أجل خلق بيئة البراعة والابداع، مما سيؤدي حتما إلى رفع مستوى الإنتاجية، انطلاقا مما تنفذه الإدارة العامة ،جراء تحسين الأداء العملي من خلال:
— رفع المستوى المعيشي جرّاء ما تقدمه من رواتب مناسبة، إضافة للحوافز والكفاءات.
— تنفيذ برامج حضارية قادرة على بناء اجيال متخصصة مؤمنة تستطيع بدورها بناء أمة تصمد أمام المنافسة العالمية.
— تحقيق التوازن الذاتي للفرد الانساني، من خلال إشباع الحاجات المختلفة، اقتصاديا،واجتماعيا، ونفسيا.
أن مسؤولية الإدارة العامة، كبيرة وعظيمة، من حيث: انتاجية عالية، أو منخفضة، جادة ومخلصة، أو ضعيفة ومقصرة، قوية في علاقاتها واتصلاتها، أو منقطعة التواصل مع سيطرة الانا، ولكي لا تكون متارجحة النتائج، عليها ضرورة، تركيز وتثبيت العلاقات الإنسانية الإيجابية السليمة، والتي أتى بها التشريع الإسلامي. انطلاقا من تدعيم وتنمية الوعي الجماعي، المنتج المثمر، ذلك الذي يحقق الدمج التفاعلي في إطاره التعاوني التضامني، وشكله الفريقي المنسجم. وهذا الأمر يتطلب دمج الكل في الكل، من رأس الهرم إلى أوسع قاعدة، فالكل مسؤول عن نمو وتطور العلاقات الإنسانية الإيجابية السليمة على مستوى قيام الدولة، شكلا ومضمونا.
فما هو دور العلاقات الإنسانية في الإدارة العامة؟



