مقالات

بيان الأزهر «المختفي».. التضامن اللفظي ممنوع؟

“المدارنت”
نشر «الأزهر»، يوم الثلاثاء الماضي، بيانا بعنوان: «شيخ الأزهر يطلق نداء عالميا لأصحاب الضمائر الحية لإنقاذ أهل غزة من المجاعة القاتلة»، وجه فيه نداءً عاجلا إلى العالم، يعتبر فيه كل من يدعم إسرائيل بالسلاح أو يشجعها بالقرارات والكلمات «شريكا في الجريمة»، ويطالب بإيقاف المجازر ضد الفلسطينيين وإيصال المساعدات وكسر الحصار.

معروف أن الجامع الأزهر في مصر، هو أقدم جامعة إسلامية عالمية، وأنه يقوم بوظائف تشمل التعليم، والبحث العلمي، وتقديم الفتاوى، ونشر الفكر الإسلامي، والحفاظ على التراث الإسلامي، وأن موقع شيخ الأزهر الذي يترأس الجامع وجامعة الأزهر، يعتبر أعلى منصب ديني في مصر، كما يعتبر مرجعا إسلاميا مؤثرا في العالم الإسلامي.
يشير واقع تأسس الأزهر، عام 972 ميلادية، بعد عام واحد من تأسيس القاهرة، إلى العلاقة الوجودية للدين بواقع تشكّل مصر وتطوّرها، كما يشير إلى العلاقة المتلازمة، والمتوتّرة أحيانا، بين السلطات السياسية والدينية، على المصالح ودور الأزهر والخطاب الديني، والمحاولات المستمرة للسيطرة عليه، وهو أمر تنامى وأضحى واضحا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
اختفى البيان، بعد وقت قصير من نشره، وهو ما أثار تكهّنات متضاربة حول سبب الاختفاء، مما دفع الأزهر لإصدار بيان جديد مكان المحذوف قال فيه إنه قام بسحبه «حين أدرك أنه قد يؤثر على المفاوضات الجارية بشأن إقرار هدنة إنسانية في غزة»، و«حتى لا يتخذ من هذا البيان ذريعة للتراجع عن التفاوض أو المساومة» في الهدنة!
أثار اختفاء البيان، ثم إلحاقه بالبيان المذكور جدلا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي بين المصريين والعرب، فتساءل بعضهم عن المنطق الذي دعا الجهات السياسية أو الأمنية إلى الضغط على الأزهر، فعزاه البعض إلى أن السلطات رأت فيه تقريعا لتخاذلها عن نصرة أهل غزة، وإحراجا لها لعدم قدرتها على فتح معبر رفح لإدخال المساعدات، وربطه البعض الآخر باتفاقات أوسلو.
فنّدت بعض التعليقات، التبرير الذي اضطر الأزهر، على ما يبدو، لاستخدامه، فرأى رئيس تحرير صحيفة «الجمهورية» الأسبق، مؤمن الهباء، على سبيل المثال، أنه كان على السلطات المصرية استخدام البيان وغيره من المقالات والبيانات الغاضبة، وسيلة للضغط على الإسرائيليين، لإنهاء الحرب وفك الحصار، معتبرا أن حذف البيان «لا يعبر عن حنكة سياسية وبراعة دبلوماسية».
تركّزت مواقف السلطات في مصر بعد اندلاع الحرب على أهالي القطاع منذ تشرين أول/أكتوبر 2023 على العمل الديبلوماسي الذي تجلى في تنظيم «الجامعة العربية» اجتماعين للقمة العربية ـ الإسلامية في الرياض؛ وعلى مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة «حماس»، وعلى التوقّي من آثار الحرب الدائرة على مصر، عبر رفض خطط إسرائيل في تهجير أهالي غزة إلى سيناء.


في المقابل، اعتبرت السلطات المصريّة أي تحرّك شعبيّ إغاثي أو إنسانيّ أو تضامني مع الفلسطينيين، خطرا أمنيا، وقمعت بشدة أي مسعى أو فعالية مصرية في هذا الاتجاه، وامتدّ هذا القمع ليشمل أشكال التضامن العالمي، كما حصل مع «المسيرة العالمية إلى غزة»، الشهر الماضي، حيث أوقفت نحو 200 ناشط ممن وصلوا إلى القاهرة جوا.
كما طورد كثيرون منهم في فنادقهم، وصودرت هواتفهم، وتم ترحيل كثيرين منهم، كما تعاملت مع «قافلة صمود» البرّية بالمنع، بالتزامن مع طلب من وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، من سلطات القاهرة منع من سمّاهم «المحتجين الجهاديين» من الوصول إلى حدود غزة، وشنّ الإعلاميون المرتبطون بالسلطة، حينها، حملات شرسة ضد هؤلاء معتبرين ما يحصل مؤامرة من الإخوان المسلمين، ومحاولة «لضرب الاستقرار الداخلي للبلاد».

… وهو ما يضع دفع السلطات للأزهر لحذف بيانه في خانة منع التضامن اللفظي بعد أن استنفدت السلطات كل أشكال المنع الفعلي!

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى