بين الماضي والحاضر*!

سألني: كم عمرك؟
قلت: أنا من مواليد ستينات القرن الماضي.
صمت قليلًا، ثمّ علّق: هل فعلًا كانت الصويري كما تصفها في طفولتك؟
قلت: عشت في الستينات قرابة خمس سنوات.. كانت كافية لطبع ذاكرتي بكل ما سردته.. وأظنّ أنني لم أقل كلٌ شيء.
كنت قد أنهيت قراءة الوردة لأومبيرتو إيكو، ولجأت إلى اليوتيوب، فظهر لي فيلم تركي بعنوان أيام الثلج.
شدّني إليه وقته القصير قرابة خمس وثلاثين دقيقة، وحركة الكاميرا وهي تجول على الثلج.
كانت قصته بسيطة: أم عجوز اسمها ربيعة، تنتظر ولدها الوحيد الغائب، تعيش في بيت ريفي لا يقيها الريح والبرد، تساعدها إحدى الجارات وتزورها من وقت لآخر، إلى أن تموت من شدة البرد والشوق لولدها، الذي ظهر في نهاية الفيلم عاقًا.
تذكرت أثناء مشاهدة الفيلم، كم حارب كثير من رجال الدين الوعي.
بدأوا حربهم ضد تعليم الفتيات، خوفًا من أن تكتب رسائل عاطفية..
واعتبروا ذلك مفسدة أخلاقية.
أحرقوا آلاف المؤلفات عبر التاريخ، وقتلوا علماء ومفكرين، وحرّموا قراءة الكثير من الكتب، لا لشيء أكثر من نزعة السيطرة لديهم.
وحين أطلت “الكاميرا” حرّموا التصوير، ثم حرموا الإذاعة، واعتبروا التلفاز مفسقة، والتمثيل فاحشة، والرسم تعد على قدرة الله، وأقاموا الدنيا وما أقعدوها حين ظهر الهاتف.
فتذكرت كم من خطبة جمعة سمعتها، كان موضوعها عن مواقع التواصل الاجتماعي، وأثرها الهدام على الأخلاق والمجتمع والشباب..
إن مئة ألف خطبة جمعة، تعجز عن تصوير ثواني معدودة لمشهد الأم، وهي تتأمل صورة ابنها العاق، وتتحدّث إليها.
إن عشرات الآلاف من المواعظ الكلامية لن تعدل أثر الفضيحة الأخلاقية التي رصدتها الكاميرا في البيت وملامح الأم وفقرها، واللغة التي شكلت الحكاية.
يعتقد الكثير من رجال الدين أن التعتيم يخدم الأخلاق، ويؤمن المبدعون بأن الضوء وعلى اختلاف مصادره؛ من شمس، إلى مصباح، فكلمة وكامير، وصولاً إلى النص المكتوب، هو أفضل ما يخدم الأخلاق ويبنيها.
إن قراءة قصّة قصيرة، تكشف لنا كافة عورات المجتمع التي تعكسها تلك القصة.
ترى كيف يمكننا أن نكتشف الفارق لولا اللغة، والسينما والتلفاز والهاتف و”السوشيل ميديا”، وما كان مستقبل ذاكرتنا الإنسانية؟
إن أعمق ما يقدمه الإبداع، هو الصدق والحقيقة والواقعية.
لهذا، حين أبحث عن الأخلاق، أفتش عنها في الضوء..
وكلما أردت فهم الإنسان، لجأت إلى الإبداع.
* من كتاب: “الكتابة ليست عَلفًا”.. (قيد الإنجاز)



