ترشيح المالكي استفزاز قهري للذاكرة العراقية!
“المدارنت”
جربه العراقيون كرئيس للوزراء على مدى ولايتين متتاليتين 2006 ـ 2014، وبعدها لم يترك المنصب إلا مكرها، لكن توقه للسلطة لم ينقطع، فحرص على البقاء في دوائر صنع القرار، ولو من وراء الكواليس، مستفيدا من الدعم الإيراني لمساعيه في إدامة مصادرة التمثيل السياسي لشيعة العراق، وحصره بجوقة ثابتة من زبانية الحرس الثوري، بخاصة أنه قد جير موقعه كأمين عام لحزب «الدعوة الإسلامية»، المعروف بكونه حجر الزاوية في البنية التحاصصية لممثلي المكونات الأساسية لحكم العراق بعد 2003، للولاء الأبدي لشخصه، على الرغم من الانشقاقات المتواترة التي شهدها الحزب.
فالجعفري والعبادي وحتى السوداني كلهم كانوا معه في القيادة، لكنهم اختلفوا معه، شخصيته الاستحواذية طاردة للشراكات، كان يزهو بنفسه عندما يفخم ذاته بالألقاب، التي لم تكن لتغطي حقيقة غياب الدولة والقانون، في عراق يغرق بالمحاصصات الفاسدة والتبعية، ففي فترة حكم «فخامة دولة رئيس الوزراء نوري المالكي»، ارتفعت نسب الاعتقال والاغتيال والاجتثاث الطائفي، واصبح العراق في المراتب الأولى على مستوى الفساد عالميا، من صفقات السلاح الفاسدة وعقود شراء ونصب محطات توليد الكهرباء الباطلة، إلى ظاهرة التعيينات الفضائيـة.
أعداد هائلة من الدرجات الوظيفية المدنية والعسكرية الوهمية، التي تذهب مخصصاتها المالية لجيوب أتباعه، فهو القائد العام للقوات المسلحة والمسؤول التنفيذي الأول عن حماية البلاد والعباد، كما يحب أن يقال عنه، إلى جانب لازمة «دولة رئيس الوزراء» طبعا. ولم يكن لتنظيم داعش السيطرة على ثلث مساحة العراق، وثاني أكبر مدنه (الموصل)، لولا استهتاره بالمطالب المشروعة لأبناء تلك المناطق، التي مورست بحقها صنوف الإذلال والانتقام والتطهير الطائفي، من جرف الصخر وحزام بغداد، إلى الفلوجة والرمادي وصلاح الدين والموصل، إلى جانب فساد القوات المسلحة وعقيدتها القتالية، فإحلال العقيدة الطائفية محل العقيدة الوطنية جعل من منتسبيها بلا دوافع حقيقية للقتال، وكانت أوامره المتخبطة قد زادت الأمور خرابا، ولو كان هناك قضاء نزيه ومستقل لقدم المالكي للمحاكمة بتهمة الإهمال والتقصير والفساد، التي أدت بالمحصلة لتدمير مدن بأكملها وقتل وسبي الالاف من المدنيين والعسكريين.
عرف عنه شغفه بهيئة اجتثاث البعث وتلذذه بإقصاء ذوي الكفاءات والخبرات، خاصة المميزين، فقط لأنهم من طائفة أخرى، وبعد مرور عقدين على عمل تلك الهيئة الإقصائية، يصر المالكي وحزبه على استمرار عملها تحت عنوان المساءلة والعدالة، التي تستخدم كسيف مسلط على رقاب المعارضين وفزاعة لإعادة إنتاج الخوف!
«المجرب لا يجرب» عبارة رددها الناطق باسم مرجعية النجف، في معرض التعليق على حالة التوتر التي أشاعها تصعيد المالكي لموقفه المتمسك بالترشح للولاية الثالثة عام 2014، ورددها ايضا مقتدى الصدر، الذي وصف المالكي بـ»عبد الكرسي»، والمسؤول الأول عن شحن الأجواء بالمزيد من السموم، عندما تهكم على صولاته الوهمية، التي لا تحمل أخلاق الفرسان، لا مع الكرد ولا مع السنة، ولا حتى مع شيعته التي تعرف حقيقة استبداده. لإصرار المالكي على البقاء في دائرة النفوذ لحكم العراق، سببان دفينان، الأول هو ضمان عدم تحميله أية مسؤولية عما جرى في مسيرته السابقة، وبالتالي ضمان انعدام المحاسبة، أو العزل، وتداعياته على مكتسباته المادية والمعنوية المؤثرة على حالته الشخصية والعائلية، والثاني بدفع ولائي كفزعة باطنية لمواجهة ما يخطط له من إطاحة بنظام الولي الفقيه، وما يشكله ذلك من نسف عضوي لكل بنيان حالة الغلبة الطائفية في العراق، التي استغلها لمصلحته، وبالتالي تصفير المكتسب الشيعي فيه، بما يفتح الأبواب أمام متغيرات تستدعي مخاوف السبب الأول، وبذلك فالمالكي مستعد للدفاع عن بقاء نظام الولي الفقيه، وكأنه دفاع شخصي عن وجوده هو، وتولي المنصب الأول يكفل تحقيق هذا المسعى المسبب ومقولة المالكي المعروفة «انا شيعي اولا وعراقي ثانيا»، تصب في طاحونة إصراره الولائي! علما أنه أقر بالفشل عندما وجد أن الإنكار لا يساوي غير إهانة مضاعفة للذات، لكنه طرح هذا الإقرار بصيغة مخادعة، تعمم الفشل والفاشلين، للإيحاء بأن هناك أسبابا خارجة عن الإرادة أدت إليه، ويرمي بذلك للتطبيع مع التجريب وإعادة التقييم، من دون تحمل المسؤولية، على اعتبار أن الجديد سيفشل أيضا، وللأسباب الخارجة عن ارادته نفسها.
قال المالكي في أحد حواراته التلفزيونية «نحن طبقة فاشلة من السياسيين والمسؤولين، ويجب ان ننزوي جانبا لافساح المجال لغيرنا». ومن المرجح أن قيادة المخابرات الإيرانية وبتوصية – إطلاعات، تجد في المالكي ضالتها المخضرمة، التي تتطلع لها. لا تفسير منطقيا لموافقة السوداني، صاحب 50 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، على ترشيح المالكي، صاحب 27 مقعدا في الانتخابات ذاتها، لولاية جديدة لرئاسة الوزراء، مع أكثرية أعضاء الاطار التنسيقي الشيعي، وليس إجماعه، إلا وجود صفقة بوصاية طرف ثالث صاحب نفوذ خشن وناعم على الطرفين، بل على اغلب القوى الفاعلة في نظام المحاصصات داخل وخارج الإطار، بموجبها يتم إحلال المالكي محل السوداني، حتى تمر عاصفة الحرب على إيران بسلام، لأنه الأقدر على تلبية نداء الدعم الفوري المبطن لإيران، والأقدر بحكم الخبرة، وروابطه الأقوى عقائديا بالميليشيات العراقية التابعة للحرس الثوري، عقيدةً وتمويلا، إضافة لاستعداده الشخصي لتحمل التبعات، بما في ذلك نهاية مساره السياسي، ليستكمل السوداني دوره، حسب الصفقة وبالكثير من المغانم، وأهمها إضافة إلى رئاسة الوزراء، أنه سيكون بمأمن من غبار خيانة العقيدة، وما يترتب عليها من تبعات بين فصائل الإطار التنسيقي الشيعي، مع مقبولية أمريكية واقعية. أما الطرف الثالث فهو الولي الفقيه ذاته، ممثلا بأحد معاونيه المؤثرين، ومباركة علي خامنئي شخصيا، لترشيح المالكي علامة صريحة ترجح هذا المنطق.
ويبدو أن ترامب فهم جيدا تلك الرسالة فرد عليها استباقا، بكون اختيار المالكي هو الاختيار السيئ الذي سيحرم العراق من المباركة الأمريكية وما تعنيه من تبعات، وهذا ما زاد من ارتباك الإطار التنسيقي الشيعي واحرجه، وربما يجعل بعضه يطالب بإعادة النظر بالصفقة كلها، إضافة إلى ارتفاع أصوات المتضررين من سنة وكرد من ممارسات المالكي ونهجه المجرب. والحقيقة أن من يجلس تحت موس الحلاق الأمريكي، ليست الولاية الثالثة للمالكي فقط، إنما كل الإطار التنسيقي وما يمثله من مشروع طائفي عابر للحدود، وما يزكي القول بالصفقة، التي دفع بها الولي الفقيه، هو نص الاتفاق المعلن بين كتلتي الإعمار والتنمية بقيادة السوداني، ودولة القانون بقيادة المالكي، حيث يُرشح الثاني من الكتلتين، بعد ان يخصص في تشكيلته الحكومية ثلاث وزارات إحداها سيادية، أما النفط أو المالية، لكتلة السوداني، إضافة لمدير مكتب رئيس الوزراء، وفي حالة فشل تمريرالمالكي وحكومته في البرلمان، تعمل الكتلتان على ترشيح السوداني كبديل وبالشروط نفسها التي ارتضاها المالكي على نفسه.



