مقالات
تونس.. إنقلاب أم تطهير سياسي

خاص “المدارنت”..
في السابع عشر من ديسمبر عام 2010 إندلعت شرارة شعلة أولى ثورات الربيع العربي فى تونس حينما أقدم البائع المتجول الشاب محمد البوعزيزي بإضرام النار على جسده في مدينة بوزيد احتجاجا على حجز السلطات المحلية لبضاعته .
وكانت الأجواء أصلا مهيئة للإنفجار الشعبي بعد سنوات القهر والإستبداد والفساد والمحسوبية وإنعدام المراقبة والمحاسبة والعقاب وعجز الدولة فى توفير سبل العدالة ورفع المظالم، بل كانت الدولة – وبكل مؤسساتها ومفاصلها – عنوانا فاضحا لتلك الممارسات.
ولم تمض ساعات على الحادثة المأساوية حتى إنتفض جل الشعب التونسي فى ثورة عارمة أدت إلى سقوط الطاغية زين العابدين بن علي و هروبه إلى خارج البلاد و بعدها انكسر حاجز الخوف والرعب لدى الكثير من الشعوب العربية المضطهدة التى كانت تعيش ظروفا مشابهة.
فثارت مصر وتبعتها ليبيا واليمن وسوريا فيما سمى بثورات الربيع العربي.
وبعدما ركنت باقى الشعوب حينا من الدهر إلى سبات، لربما تقديرا لمآلات تلك الثورات وما صاحبها من إهتزازات إجتماعية وسياسية إقتصادية سالبة أو لربما أيضا تحسبا لأي طارئ إقليمي أو دولي يغير موازين إنفاذ الإرادة الشعبية الوثابة للتغيير وللتحرر من تلك الأنظمة المستبدة البالية.
وبعد مرور 8 سنوات من الترقب جاءت الموجة الثانية من الإنتفاضات والثورات الشعبية العربية لتفاجئ معظم المراقبين والمتابعين لقوة دفعها ولعمق إنتشارها وسط الجماهير ولتمددها مناطقيا، إنطلاقا من السودان ثم الجزائر ولبنان والعراق.
وفى غمرة الحراك الثوري والذى ألقى بظلاله فى دول عربية طرفية أخرى مثل موريتانيا وجيبوتي وجزر القمر، ظهرت جائحة كورونا – بكل تداعياتها الصحية والإجتماعية والإقتصادية – على سطح الأحداث وسطت على مقاليد وضع الإستراتيجيات وترتيب الأولويات، فكان تأثيرها سلبيا لحد كبير على الحراك الثوري فأضعف عنفونه وقوته ثم جمد حركته بصورة شبه كاملة و بخاصة في الجزائر و لبنان و العراق.
وبقدر ما كانت تلك الثورات عارمة ومعبرة بصدق عن تطلعات الشعوب فى الحرية و العدالة والتنمية وعلى مبادئ وقيم معلنة و مسنودة و محمية بتأييد شعبي كاسح و ممهورة بدماء أرتال من الشهداء والجرحى، كانت قوى الظلام الإقليمية تمارس مهنتها الخبيثة – التي خبرتها وأجادتها وأتقنتها عبر العقود الماضية – بشراء الذمم الضعيفة وتوظيفها في إجهاض الإرادة الشعبية وضرب مراميها النبيلة في التغيير الديمقراطي الحقيقي وبناء دولة المؤسسات ونجحت فى نهاية المطاف إلى تصفية تلك الثورات إما بإنقلابات عسكرية أو بزجها فى حروب أهلية أو او بإدخالها فى فوضى داخلية.
كانت التجربة التونسية هى الوحيدة المتبقية والتى ظلت تقاوم عوامل التعرية الإقليمية المدمرة فى عناد و جسارة طوال الأعوام العشرة الماضية وقد أفلح الإتحاد العام للشغل فى لعب دور الوسيط المحايد فى حلحلة الكثير من الخلافات وتجاوز بعض الأزمات – والتى بدت حينها عصية على الحل وعلى التوافق بين الفرقاء – ونال جائزة نوبل للسلام لهذا الدور المقدر وقد ساهم نضوج و وعى الأحزاب السياسية التونسية – عبر تجربتها الطويلة منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة و مرورا بالأنظمة التالية – فى أن تعبر تلك المطبات بسلاسة وحكمة أستطاعت أن تعلي فيها قدر الوطن على المصلحة الحزبية الضيقة.
جاء فوز أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، على مرشح معتقل بتهمة الفساد كأول سابقة عالمية فى إنتخابات يفترض أن تتوفر فيها شروط المساواة بين المرشحين من حيث الحيثيات والإشتراطات والأجواء التي توفر النزاهة و العدالة.
لم يكن للسيد قيس دور سياسي معروف أو انتماء سياسي معين وكما لم تعرف له مساهمة في حركة الثورة أو المعارضة للأنظمة المستبدة السابقة.
عرف عنه فصاحة اللسان وقوة البيان وجزالة التعبير اللغوي وسحر التعبير وغالبا ما تطغى عليه صفة الأستاذية والشعور بالأبوية وعندما يتحدث يعطي الإحساس كانه معلما أمام تلاميذه.
بفوزه الساحق وضع خلف قيادة دولة بها جملة من المشكلات والتعقيدات فى مختلف الأصعدة و بخاصة الإقتصادية و السياسية، وليس له حاضنة سياسية تقف معه و تسنده، ما كان أمامه سوى أن يجتهد ذاتيا وأن يبنى مجده معتمدا على هذا الزخم الشعبي قبل أن ينطفى نوره ويخبأ وهجه.
ومنذ إنطلاق عهده أختط نهجا خاصا، يبتعد عن مؤسستى السلطة التشريعية والتنفيذية ويضع لمؤسسة الرئاسة وضعا مميزا – في غياب المحكمة الدستورية – يجعلها الممسكة حقا بناصية الأمور في البلاد .
وظل فى شد وجذب برفضه المستمر التوقيع على بعض قرارت البرلمان ووضع فيتو على تعيين بعض الوزراء مما أوقف حركة دولاب العمل الحكومي وأدخل تونس طوال الأشهر الماضية في أزمة سياسية مستمرة وكأنه كان يريد أن يهيئ الجو لما هو آتي.
وفى ذروة هذا الوضع المتأزم، زار القاهرة، ودلف إلى ضريح الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وألقى خطبة، وأعطى الشعور بأنه ناصريا، ثم زار ضريح الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، وألقى خطبة، وأعطي شعورا مخالفا بأنه بورقيبيا.
الفرق بين الزعيمين العربيين كالفرق بين المشرق والمغرب فالأول كان عروبيا، تحرريا مؤمنا برسالة الأمة العربية التاريخية وبوحدتها ومناصرا لقضايا التحرر الوطني فى العالم وعاش ومات فى سبيل نصرة قضية فلسطين والثاني كان زعيما وطنيا منغلقا وكان أول زعيم عربي يدعم وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين وكان مرتبطا بالمشروع الفرنسي في المنطقة. فالجمع بين الزعيمين فى آن واحد كالجمع بين الماء والنار.
وفى السياسة، لا تجدى محاولة إمساك العصا من النصف، وفى مثل هذه الحالات سرعان ما ينقلب السحر على الساحر وتنجلى الخدعة.
فى الخامس والعشرين من يوليو الماضي أعلن الرئيس قيس سعيد قرارات إستثنائية هامة إستنادا غلى المادة ثمانين من الدستور، حل بموجبها الحكومة وجمد البرلمان وألغى الحصانة البرلمانية لمدة شهر وتبعها بقرارات أخرى وبالرغم أن الدستور لا يعطيه حق التجميد ورفع الحصانة بل لا بد إن يظل البرلمان فى حالة إنعقاد في مثل هذه الحالات.
هذه المحاولة بدأت للكثيرين أنها تشكل آخر مسمار في نعش ثورات الربيع العربي وللبعض الآخر كانت تستهدف ضرب آخر معاقل الإسلام السياسي الحاكم في العالم العربي وفى كلتا الحالتين كانت إرهاصات هذه القرارات قد تقدمت سلفا ثم أكدتها هرولة دول عربية معينة – عرفت بدورها في ضرب و إجهاض تلك الثورات – نحو تونس تقدم الدعم والتأييد والمساندة فى أمر هو شأن سياسي داخلي بإمتياز.
كان لهذه القرارات صدى إيجابي عند بعض الأحزاب والحركات اليسارية نكاية بحركة النهضة ولنهجها الآقصائي وأما حركة النهضة فبدت و كأنها صدمت وفقدت توازنها وجاءت مواقفها متضاربة ومتناقضة، بدءا من النزول إلى الشارع بحسبان أن ما حدث هو إنقلاب على الشرعية الدستورية ثم تراجعت بتصريحات تبدو توافقية وإعلانها بأنها ستقوم بنقد ذاتي وتتحمل ما يليها من مسؤولية الأزمة السياسية وثم أخيرا صرح السيد الغنوشي بأن تلك القرارات ستكون تصحيحا لمسار العمل السياسي وهو يدعو الرئيس إلى حوار جامع ووضع خارطة للطريق.
وهذا هو أسلوب معروف وخداع نمطي للحركات الإسلاموية، تغير و تلون جلدها على حسب الظروف و لقد أضروا أيما ضرر بالإسلام كدين تسامح و عدالة اجتماعية و حرية و حولوا معانيه وقيمه السمحة إلى إحتكار ردئ للسلطة وبقيم يسودها القهر والإستبداد والفساد والمحسوبية، ولذلك كان من الطبيعي ان تسقط تلك التجارب الضالة.
أما الرئيس قيس سعيد فقد ظل يصرح من وقت لآخر بأن الأمور لن تعود إلى ما كانت عليه وإنه سيقوم بتطهير سياسي بالقانون وهى كلها تشير إلى العودة لحكم الرجل الواحد وإلى تحكم السلطة الفوقية على حساب سلطة الشعب.
وفى إعتقادي المتواضع أن الأمر يؤكد مرة أخري بأن الشعوب العربية لا زالت تسيطر عليها سلطة القبيلة و هيمنة زعيم العشيرة ولا تطيق التبادل السلمي للسلطة حتى لعقد واحد من الزمان.
ونجد كلما نما وترعرع نظام ديمقراطي حقيقي فى بلد ما سرعان ما ينقض عليه النظام العربي الرسمي بإزاحته بصورة أو بأخرى وخير مثال السودان فى حقبه المختلفة.
إن وجود تباين فى وجهات النظر في السياسة لدى الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة هى من صلب العملية السياسية الديمقراطية الليبرالية في العالم الحر والتى تحكمها القوانين و الدساتير و لا يستطيع أى حاكم مهما كانت سطوته أو قوته أو سنده أن يتجاوزها.
وفى حالة وجود اى خلل أو تهديد داخلي أو خارجي توجد مسارات واضحة و جلية للعبور.
تجرى إنتخابات فى مواقيت محددة للتبادل السلمي للسلطة ينتخب فيها الشعب حكامه على المستوى المحلي أو المركزي بشفافية ونزاهة ولا يوجد حاكم أبدى مطلق فى هذه الأنظمة.
وفى الوقت الذى يعيش العالم الحر الديمقراطية بكل حرياتها وينعم بالرفاهية والتقدم والعيش الكريم يعيش عالمنا العربي فى منزلقات الصراعات السياسية والجهوية والطائفية، ويقبع فى حالة بؤس و عناء و قهر في ظل أنظمة مستبدة، لا يرحل قادتها إلا بالموت أو القتل أو الإنقلابات و لا مكان فيها لحقوق الإنسان أو لحكم القانون و إنفاذ العدالة.
إن ما حدث في تونس هى ردة سياسية وخروج عن الطريق الديمقراطي السوي ولا يمكن أن يعالج الخطأ بخطأ أفدح منه وقد يكون مدمرا وتتبعه عواقب وخيمة تصعب معالجتها.
الأمل و الرجاء فى أن يتحكم العقل وأن تمر هذه الأزمة بأقل الخسائر.



