مقالات
تونس وأزمة الحكم بعد الثورة..!

خاص “المدارنت”..
عندما تندلع الثورات، تنقسم القوى الناشطة والكامنة الى محرِّك او داعم او مراقب، فيما يكون الهدف النهائيّ للجميع هو الوصول الى الحكم، والتمكُّن من السلطة جزئيًّا أو كُلِّيّا.
كانت تونس، هي الشرارة الأولى في ما سُمِّيَ بالربيع العربيّ، الذي أطاح بأنظمة الحكم في تونس ومصر وليبيا واليمن والسودان، وكاد يفعل نفس الشيء في سوريا والجزائر، ولم ينجُ من تداعياته الّا الممالك والإمارات التابعة كُلِّيًّا لسياسة الولايات المتّحدة الأميركيّة ومصالحها في المنطقة.
لم تكن المنطقة العربيّة، عشيّة “الربيع العربيّ” تتمتّع الّا بنظام الحزب الموالي للحاكم، فيما كانت كلّ القوى السياسيّة الأخرى، تتعرّض للقمع والتهميش والمحاصرة الى ان تلاشت وذهب ريحُها، ما عدا الجماعات “الاسلاميّة” المتعدِّدة، مثل “الاخوان المسلمون” و”السلفيّون”، وغيرهم، الذين عقدوا الصفقات مع الحكّام، برعاية تركيّة او سعوديّة ومباركة أميركيّة، مكّنتهم من تدعيم وتوسيع عملهم الاجتماعيّ، وتمتين بناهُم التنظيميّة وانتشارها بشكل جعلهم يتواجدون في كلّ مفاصل حركة الشأن العام .
لذلك، لم يكُن في الساحات السياسيّة قوًى منظّمة، تُذكَر ، بعد “ثورات الربيع العربيّ”، التي أدخلت الانتخابات “الحُرّة” الى عمليّة انتقال السُلطة، غير “الإخوان المسلمون”، ومن خرج من تحت عباءتِهِم، و”السلفِيّون”، على اختلاف تنظيماتِهِم، الذين أُشبِعوا تمويلًا ودعمًا، لِعَشرات السنين، من المملكة العربيّة السعوديّة ودول وامارات الخليج النفطيّة وتمّ احتضانهم، فيما بعد، من قِبَل تركيا بمباركة، او على الأقلّ، بموافقة أميركيّة.
من هنا رأينا صعودهم الى السلطة، من خلال الانتخابات، لانّهم كانوا القوى الوحيدة المنظّمة والمموَّلة والمُهيَّأة، لخوض الانتخابات التي كانت بحاجة الى كلّ الامكانيّات التنظيميّة والماليّة والدعم الاقليميّ والدوليّ.
في تونس، صعدت حركة النهضة، الجناح السياسيّ لجماعة “الإخوان المسلمون” الى سدّة الحكم، وأخذت تتمدّد في كل مواقع السلطة والإدارة إلى أن تمكّنت من السيطرة، الى حدّ كبير، على المشهد السياسيّ في تونس، الى ان أتت الانتخابات الأخيرة بالرئيس المستقلّ، الخارج عن سيطرة نفوذها، قيس سعيّد، والى خسارة العديد من مواقعها النيابيّة في انتخابات مجلس النوّاب، وحوالي نصف القاعدة الشعبيّة.
شهِدت تونس، بعد الانتخابات الأخيرة، التي جرت عام 2019، مخاضًا سياسيًّا خطيرًا؛ حيث بدأت تظهر تداعيات الفساد الذي استشرى في السنوات العشر بعد الثورة، وحدّة الأزمة السياسيّة التي أدّت إليها ممارسات حركة النهضة، الجناح السياسيّ لجماعة “الاخوان المسلمون”، ومحاولات التصدّي لها من قِبَل بعض القوى السياسيّة الأخرى المُمَثّلة في مجلس النواب، وبسبب المزاج الشعبيّ الذي بدأ يتحوّل ضدّ حركة النهضة، بعدما ظهر خلافهم مع الرئيس قيس سعيّد الى العلن.
لم يتباطأ الرئيس التونسيّ، في ممارسة حقوقه الدستوريّة، وفي اتّخاذ القرارات المناسبة التي، من وجهة نظره، تعمل على إنقاذ تونس، من مسار الفساد والانهيار والخراب، فقام باقالة الحكومة، وتجميد عمل مجلس النوّاب، واتخذ سلسلة تدابير استثنائيّة اقتضاها واجبه – وما زالت مستمرّة.
ما قام به الرئيس التونسيّ استدعى ردودًا عنيفة من قبل حركة النهضة، وكلّ من يؤيِّدها في تونس، وخارجها، من خلال محاولات التظاهر والاعتصام أمام مجلس النوّاب، والتهديد بالعنف والاضطرابات، ممّا دفع بالرئيس الى تكليف الجيش بحفظ الأمن والاستقرار في البلاد.
ما حصل في تونس، أواخر حزيران الماضي، اعتبره أغلبيّة الشعب التونسيّ، ومعظم القوى السياسيّة، تصحيحًا لمسار الثورة، فيما اعتبره “الإخوان المسلمون”، في تونس، وحول العالم، انقلابًا على الديموقراطيّة والثورة. لكن، في الواقع، لا تختلف خطوة قيس سعيّد، الأخيرة، في تونس – الّا في سِلمِيَّتِها – عمّا قام به (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان، منذ بضع سنوات في تركيا.
إذن، لماذا هلّلَ هؤلاء للرئيس التركيّ أردوغان، عندما صحّح الأوضاع في بلده، فيما يهاجمون الرئيس التونسيّ قيس سعيّد، لقيامه بخطوة لتحقيق نفس الشيء في بلده؟!
لم يكن مسار الأحداث في تونس، لِيؤدّي الّا لما أقدَمَ عليه الرئيس قيس سعيّد، لانّه المؤتَمَن على الدستور، والمعروف للقاصي والداني، باستقلاليّتهِ ونزاهتهِ ونظافة كفّهِ ووطنيّتِهِ، وعدم ارتباطِهِ بالخارج، او تبعيّتهِ لأيّ محور اقليميّ او دوليّ. هو رجل وطنيّ عروبيّ، واضح الانتماء والتوجُّه، لا يهدف الّا الى تحقيق الاستقرار والتقدم لبلدهِ وأمّتِه.
على أيّ حال، ما حصل أصبح أمرًا واقعًا، ستُبَيِّن الأشهر القادمة مدى صحّة وسلامة ونوايا قرارات وخطوات الرئيس التونسيّ، المعروف بحكمتِهِ وضميرهِ الحيّ.



