مقالات
ثقافة الانفصام تدين ما هو شائع.. الجزء “1”

خاص “المدارنت”..
الأضداد نظام تناقض الاطراف، وهي أمور متقابلة، كل منها يعمل حسب الأمر الذي خلق من اجله، أو وكٍل اليه، وهي كغيرها من المخلوقات التي توجه، وترشد الإنسان إلى منافعه، كما تبين له سبل الاختيار للسير فيها، والعمل داخلها، ومن ثم كسب ما انتجه جرّاء ذلك العمل.
فإما عمل يعكس الإيجابية أو يعكس ضدها السلبية. اي أن الذات الإنسانية تحصد ما زرعته، جرّاء اختيارها ذلك السبيل، فإما عليها التراجع حتى تسدد وتصوٍب، وإما تكمل وتتقدم. فالاختيار إنتاج حرية الإنسان الشخص، معتقدا أو تعاملا. ” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وهذا الأمر العقدي يرفع من شأن الإنسان ويطلق إرادته، فالله تعالى ترك للانسان مطلق الحرية لاختيار سبل الطاعة أو سبل المعصية، ” كل نفس بما كسبت رهينة”. فهذا آدم، عليه السلام، قد مارس حريته بالمعصية وليس بالطاعة، ” وعصى آدم ربه”.
وعليه ،فإن علاقتنا بالله تعالى تحددها ذواتنا نحن،وبملىء ارادتنا، مع معرفتنا وعلمنا اننا نتحمل مسؤولية خياراتنا، الفكرية والعملية. لقوله تعالى:” ونفس وما سواها ،فالهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها”. الشمس/7–10
لم يطلب الله تعالى لنفسه العبودية، انما طلب العبادية، وشتان الفرق بين المعنيين، كما أنه تعالى أمرنا اتباع صراطه المستقيم والتزامه حق التزام، دون حياد ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته…..”ال عمران/102 وصراط الله سبحانه ليس حبلا رفيعا تحته جهنم، تخرج منها كلاليب تمسك الإنسان المثقل بالمعاصي، صور خيالية لا تمت المنطق بحرف، ومثل هذا الأمر، يذهبون بنا إلى اساطير وهمية خاوية، وإلى خرافات عدمية واهية، حيث يتملكنا الضياع ، ويتعطل العقل عن التعقل والتفكر من أجل التسديد والتصحيح والتصويب، دون الغفلة عن أن الله تواب رحيم.
واجبنا، كبشر، التزام أحكام الله، وتنفيذ اوامره، والانتهاء عما نهى، آخذين نصوص كتابه المبين،الذي يبين ويوضح سبل صراطه المستقيم، دون الأخذ بما تحمله بطون كتب الموروث، من اساطير وخرافات وخيال، ونعود للنص القرآني ونذكر قوله تعالى لبيان سبل التطبيق العملي ،كقوانين وحدود.
” قل تعالوا اقل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئا، وبالوالدين احسانا، ولا تقتلوا أولادكم من املاق، نحن نرزقكم واياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالاسم هي احسن، حتى يبلغ اشده، واوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفسا الا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله اوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون* وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا اتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون”..
صدق الله العظيم..
أنه الوضوح والبيان في صراط الله المستقيم، بعيد كل البعد، عن الرعب والخوف والخيال، غير متضمن للقصص والحكايات، ولا الأساطير والخرافات، إذ جلّ ما يحمله الموروث عبر العصور، ويتناقله أكثر اهل المنابر، في يومنا هذا، يشوش العقول ويعطلها، ويضع العراقيل المعسرة أمام فهم العباد سبل التعبد، زاعمين أن فئة الاكثر،من عامة البشر ،لا تستطيع فهم القرآن، استنادا إلى “واسألوا اهل الذكر أن كنتم لا تعلمون”.
لكن الموضوعي في هذه الآية، دفع وحث إلى طلب العلم والتذود بالمعرفة، مع الاصرار على ضرورة التعلم ، ومن جهة ثانية فإن الآية دليل على وجوب وجود اهل الذكر ، اي اهل الاجتهاد ،وأهل التخصص، وعلى درجة عالية من قدرة الاستنباط والاستدلال والاستنتاج، خدمة لكل ما يتعلق بالأمور الحياتية والحضارية والاكتشافات العلمية ،التي تواكب تقدم وتطور العقل البشري الجمعي. فقط ، أولئك الزاعمون، يدلون دلوهم بقولهم: هذا ما أشار إليه القرآن، فنحن الاسبق،” لدى أي ظاهرة علمية تقدمية، وأقول صحيح اننا نحن الاسبق بين الامم، تراجعا، وتخلفا، وادعاء.
اننا نتميز بثقافة الانفصام الشخصي، ثقافة التفلت العلمي والفقهي والأخلاقي، ثقافة الجمود والسكون، ثقافة الخوف والتردد، ثقافة لا فهم الدين، ثقافة التشدد والاجبار.. ثقافةالطبقية، طبقة رجال الدين، التي تسحبنا إلى دهاليز العصور المظلمة، بل إلى عصور ما قبل التاريخ.
انها ثقافة الموت البطيء ،ثقافة تفرد بعضها بعضا، وتعزز فيها ثقافة الأمة الجمعية، فقد جعلتنا نخاف بعضنا البعض، مع التغافل عن مخافة الله تعالى. فامتنا، وبكل تواضع تخلت عن الامامية إلى خلفية الامم، كما أن دولنا ومجتمعاتنا، بامكانها،بل تحقق التساهل مع الكاذب ،مع السارق، مع المرتشي، مع القاتل، مع الغاصب المغتصب.. الخ. لكنها لاتتساهل مع المقصر في العبادة،كالافطار في رمضان ،وهذه الحال، يجد المرء نفسه في صلب الكذب والخداع ،وفي صلب المحرمات،ولربما تصل به الحال للمجاهرة بالكفر والالحاد، والعياذ بالله. كطريق اسهل للهروب من نقد وتقييم الآخرين له.وهذا كحد أدنى في ذلك.
نأسف الأسف الكبير، مجتمعاتنا العربية الإسلامية، يخدشها الطعام والشراب خلال شهر رمضان المبارك، وأيضا تخاف على مظاهر الدين بين الناس، ولكن …..ولكن لايخدشها ولا يخيفها هذا الكم من الجوعى من الفقراء والمساكين والمشردين، كما لا يهز مشاعرها ضياع القيم والاخلاق الإنسانية.
واخيرا ننوه إلى حاجة الأمة….نعم الامة. الأمة العربيةالاسلامية .فحاجتها لقليل من المروءة والكرامة.



