مقالات
ثقافة الانفصام تدين ما هو شائع.. الجزء “2”

خاص “المدارنت”..
… لا شك اننا كبشر نقر بالوهية رب العالمين الذي اشهدنا على ذلك، وهذا الأمر يستند إلى فطرة الخلق، وكي تسير خيرية العمل كما أراد الله، وجب التعامل الحسن _ كما وصانا صاحب الخلق _ اي نتواصل مع خالقنا حتى يهدينا سبل الرشد والرشاد، ومن جهة ثانية، نتواصل مع عباده وفق صراطه المستقيم، الذي بينه في الآيات الكريمات/151_ 153 من سورة الأنعام. انطلاقا من مخافة الله تعالى في علاقاتنا مع الآخرين: فنبر الوالدين، ونقسط اليتيم، ونفي بالعهود، ولا نرتكب الفواحش….الخ، ولا نتقول على الله ، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة ،لقوله تعالى:” …كتب ربكم على نفسه الرحمة ،أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده واصلح فإنه غفور رحيم” الانعام/54.
الأجدر بنا أن نكون مؤمنين، نأخذ بما حمله لنا الكتاب المبين، كدستور عام مفصل،بأحكام وقواعد وقوانين، والاجدر بنا ،ايضا، أن نحترم مشيئة الإنسان تطبيقا لمبادىء الدستور القرآني العام، بعيدا عن الادعاء والأهواء، وتحقيقا لتزكية النفس والذات، اتركوا الناس وشانهم، ما داموا لا يعارضون الدستور، ويحققون، مع أنفسهم ومع الاخرين، القيم الإنسانية. وهذا قوله تعالى: “ولو شاء ربك لامن من في الأرض كلهم جميعا، أقامت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”. يونس/99.
وعليه، ما دمت متدينا، تعبد الخالق العظيم، وتتقيه حق تقاته، فهذا الأمر لا يعني سواك، فلا تجبر الآخرين على ما انت عليه، وتحمله فضل ايمانك، فالاجبار هذا قد يؤدي بالآخر إلى الكذب والتملق والنفاق، ومثل هذه الصفات المذمومة تنتج ظاهرة انفصام الشخصية المجتمعية.
وتتغلغل نفوس اهل التدين، _ مسلمين وأهل كتاب_ ثم تسوح أطراف الامة، حالنا اليوم، إلى أن تصبح طابعا عاما في مجتمعاتنا عاكسة صور الجهل التام بجوهر الأديان السماوية التي هي حلقات مترابطة متتابعة، في الغايات والاهداف، انطلاقا من مصدر وجودها الإلهي الواحد، حيث التلاقي والتوافق فيما بينها على عبادة ذلك المصدر الإلهي المقدس، والمجمع عليه بين البشر.
ولادة تلك الظاهرة الانفصامية المجتمعية، انما هي نتيجة ما يمارس من تدين بصوره الشكلية لدى معظم الناس ، خصوصا لدى العاملين في الإدارات العامة، حيث يقدمون الحجج الواهية والمفاهيم الشائعة المضللة،إلى جانب مبررات لما يمارسونه من تقصير عملي ،من إنجاز معاملات وملفات الناس المراجعين، كل ذلك لم اكن لاعترض عليه، فالواجب يفرض التدين والالتزام الصاءب السديد.
ولكن من جانب آخر، سرعان ما يكتشف الإنسان أن الكثير من هؤلاء المتدينين ورغم التزامهم الصارم بأداء الفروض والواجبات والنوافل،فإنهم يرتكبون انحرافات سلوكية جسيمة، بدءا من إساءة معاملة الناس، إلى جانب الكذب وظلم المرؤوسين، وحتى الرشوة ونهب المال العام، ثم التستر على ارتكابات الزملاء منهم. فكم وكم من المصلين المتعبدين يتلاعبون بالفواتير سرقة،أو يبيعون ما اؤتمن عليه …الخ. وبلا شك أن ظاهرة الانفصام المجتمعي منتشرة في كل مكان من مجتمعاتنا العربية، التي تحتل المراكز المتقدمة في الفساد على انواعه وعلى اشده،إلى جانب انعدام الأخلاق بصورة التحرش الجنسي.
نعم .. مجتمعاتنا مريضة، فهي تمرض كما يمرض البشر الشخص، كما أنها تعاني انفصام بين العقيدة والسلوك، انفصام بين التدين والاخلاق. ومن أسباب ذلك المرض :
1_ الأنظمة السياسية الاستبدادية، التي تنتج أهم آفة الفساد وهي الكذب التي هي أم الرذائل.
2_ تطبيق التدين بطريقة نظرية إجرائية، بعيدة عن جوهرها السلوكي الموضوعي ، وهذا يعني أن المتدين لا يقدم الدين باعتباره مرادفا للاخلاق، انما يختصره في مجموعة إجراءات حركية شكلية صورية.
لا شك أن الشكل بالعبادات أمر مهم في تطبيق الدين، ولكن الأهم ما تعطيه من ممارسات جوهرية اخلاقية، كاحقاق الحق، والتي هي أصول عقدية لدى جميع الأديان السماوية، التي وجدت أصلا وغاية، للدفاع وحماية وحفظ القيم الإنسانية، وتحقيق الحق والعدل والحرية، وكل ما عدا ذلك اقل أهمية.
والاشارة، أن المضحك المبكي أن تراثنا العربي، وعلى مستوى جميع الاديان، حافل بما يؤكد أن الأخلاق أهم عناصر الدين، لكننا لا نفهم ذلك، أو بالأحرى لا نريد أن نفهم، ان ما نريده فقط، التجاهل والتغافل.
وهكذا، فالفهم القاصر للدين، سبب رئيسي في تردي الأوضاع الحياتية العامة في مجتمعاتنا العربية.



