جريمة الكراهية في لندن/ كندا في إطار الواقع

خاص “المدارنت”..
لا شكّ بأنّ الجريمة المُرَوِّعة ، التي ارتكبها شاب في مدينة “لندن” من مقاطعة “أونتاريو” الكنديّة ، قد هزّت وجدان أهل المدينة ، والبلاد بأسرها ، وقفزت بقضيّة الكراهية والعنصريّة الى الواجهة على كل المستويات الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاعلاميّة وشكّلت حديث الناس لعدة ايام بحالها ..
هذه الجريمة الارهابيّة اختلفت بأسلوبها المقزِّز عن جرائم ارتُكِبَت على مدى السنوات الماضية ضدّ مسلمين وغير مسلمين على الاراضي الكنديّة التي تُعتَبر من أكثر المناطق الآمنة والمستقرّة في العالم ؛ ففي كندا يعيش حوالي مئتي قوميّة يتكلّمون حوالي مئتي لغة تجمعُهُم المواطَنَة ويُوَحِّدُهم الولاء للقانون والقيم الانسانيّة الحقيقيّة التي تقوم على الاحترام المتبادل لكل الثقافات واللغات والاعراق والاديان .
في كندا يجتمع بشر أتوا من كل اصقاع الأرض تجمعهم ، ايضًا ، المعاناة المتنوِّعة التي اختبروها في بلدانهم الأصليّة والتي تشكِّل قاسمًا مشتركًا ينشد التفاعل الايجابيّ مع الآخر – كائنًا من كان هذا الآخر ..
لنعُد الى وقائع الجريمة ، حسب المعلومات الأوّليّة ، في عرض سريع ، لكي نقدر ان نبني رأيًا في حيثيّاتها . هو شابّ في العشرين من عمره ، من مدينة صغيرة تبعد عن لندن حوالي ٤٠ كيلومترًا ، نشأ في أسرة حيث الاب كان متطرِّفًا جدًّا والامّ مسالمة جدًّا . كانت الامّ تخاف من ذلك الصبيّ وتقفل أبواب غرف نوم المنزل كلِّها لأنها تخاف على شقيقته التوأم وعلى اشقّائه منه ومن تطرُّفه العنيف .
اضطُّرَّ الشابّ الى ترك منزل أسرته في سن السادسة عشرة وانتقل الى مدينة لندن لمتابعة دراسته والعمل فيها .
عشيّة الأحد الماضي شاهد عائلة ، اعتبرها انها مسلمة من خلال الملابس التي يرتديها أفرادُها ، تمشي على الرصيف فقام بدهسهم جميعًا ، عدّة مرّات ، فقتل أربعة ونجا طفل صغير تمّ نقله الى المشفى القريب . امّا المجرم فتابع سيره حوالي ستة كيلومترات حيث انتهى به المطاف في مُجَمع تجاريّ قرب احد جوامع المدينة وقام بشراء القهوة من الداخل ليعود الى شربها في الخارج . هناك التقى بأحد الأشخاص وطلب منه أن يهاتف الشرطة لكي يلقوا القبض عليه لانّه قتل بضعة أشخاص ، فما كان من ذلك الرجل الّا أن لوّحَ بيديه لسيّارات شرطة كانت تمرّ بقرب المكان فجاؤوا وقبضوا على القاتل .
هذا، باختصار ، ما حصل ، ثمّ انتشر الخبر بين الناس وعلى وسائل التواصل الاجتماعيّ وفي الإعلام فقامت السلطات السياسيّة والأمنيّة ، جميعها ، بالتنديد بالجريمة البشعة .
بعد ذلك، جاء أركان الدولة والمقاطعة ، من رؤساء وزارة ورؤساء احزاب المعارضة وقيادات الشرطة ورئيس البلديّة ، الى مكان الحادث حيث تجمّع مايزيد على العشرين الف مواطن من المدينة ، في أكبر تظاهرة احتجاج تشهدها لندن/اونتارو في تاريخها ، ليقولوا لا للكراهية ولا للعنصريّة ضد المسلمين و ليؤكِّدوا انّ هذه المدينة وهذه البلاد هي للجميع بغضّ النظر عن اللون والعرق والدين .
ما حصل كان ، لا شكّ ، عملًا ارهابيًّا بكلّ المقاييس ، لكنّه فرديّ لا يُعَبِّر ، على الإطلاق ، عن روح المحبّة والتسامح واحترام الآخر ، ومعتقداتِه ، التي يتمتّع بها الكنديّون بشكل عامّ .
هذا العمل الشنيع ليس له حاضنة في المجتمع الكندّي على الإطلاق ، ولا يشكِّل هاجسًا للمسلمين الذي يُعتَبَرون جزءًا اساسًا ورئيسًا من النسيج الكنديّ وليس جالية منعزلة كما يحاول البعض أن يجعلهم ؛ لحاجات في نفس يعقوب !
نحن نعيش هنا ، في هذه المدينة ، وانا اؤدّي صلاتي حيث يكون وقتها في المنتزهات وفي الأماكن العامّة او على جوانب الطرقات ولم ارَ ، يومًا ، ايّ شخصٍ ينظر اليّ بعين الكراهية ، بل على العكس ؛ فهم يحترمون من يعبد الله ، بغضّ النظر عن دينه ومِلّته ، ويحترمون كلّ التقاليد والعادات والازياء ويعتبرونها مقدّسة كحرِّيّة الرأي .
ألمجتمع الكنديّ مجتمع حضاريّ وانسانيّ ومسالِم ، بامتياز ، ولا تهزُّهُ مثل هذه العمليّة الارهابيّة الاجراميّة البشعة التي من المستحيل أن تجد لها حاضنة في ايّة دائرة من دوائر الحياة الكنديّة .
سوف يلقى المجرم ، وكلّ من يُظهِرُهُ التحقيق ، العقاب المناسب ، دون شكّ، على يد القضاء العادل الذي يشكِّل أساس الدولة الكنديّة والعمود الفقريّ لاستقرار حركة الحياة في هذه البلاد العامرة.



