جريمة الكيماوي في سوريا.. بين التوثيق والعدالة المؤجلة!

خاص “المدارنت”
منذ إندلاع الثورة السورية في أذار/مارس 2011، إرتكب النظام السوري سلسلة طويلة من الجرائم والإنتهاكات ضد المدنيين، تراوحت بين الإعتقالات التعسفية والتعذيب والقتل الممنهج والقصف العشوائي. إلا أن مجزرة الغوطة الشرقية في 21 آب/أغسطس 2013، تمثل ذروة الوحشية، حين لجأ النظام بقيادة (الطاغية المخلوع) بشار الأسد إلى إستخدام السلاح الكيماوي ضد شعبه، في إنتهاك صارخ لكل الأعراف الدولية والإنسانية.
هذه الجريمة لم تُخلّف أكثر من 1100 شهيد، فحسب، بل كشفت أيضاً هشاشة النظام الدولي، حيث تحوّل التهديد الأمريكي بالرد العسكري إلى صفقة سياسية مع روسيا، أفضت إلى إطالة عمر النظام بدل محاسبته.
ـ خلفية الجريمة وتوثيقها
ـ الزمان والمكان
وقعت المجزرة في الساعات الأولى من فجر 21آب/أغسطس عام 2013، عندما إستهدفت قوات النظام مناطق في الغوطة الشرقية بريف دمشق بعدد من الصواريخ المحمّلة بغاز السارين القاتل.
عدد الضحايا
وفق توثيقات منظمات حقوقية دولية مثل “هيومن رايتس ووتش” و”أطباء بلا حدود”، إضافة إلى تقارير الأمم المتحدة، قُتل أكثر من 1100 مدني، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينما أصيب آلاف آخرون بأعراض اختناق شديدة.
المشهد الميداني
أظهرت “الفيديوهات” والصور التي خرجت من الغوطة آنذاك مشاهد مروعة، أطفال ممددون كأنهم نائمون، أمهات يحملن فلذات أكبادهن جثثاً هامدة، أحياء كاملة صامتة لا حياة فيها. لم تكن هناك دماء أو جروح ظاهرة، بل موت جماعي بفعل غاز عديم اللون والرائحة.
وبحسب شهادات ناجين ومسعفين محليين، فإنه بعد تنفيذ الضربة الكيماوية على المدنيين العزّل، ومع بدء فرق الإنقاذ التحرك لإغاثة المصابين، عاودت قوات النظام، استهداف المنطقة بقصف مدفعي، ما ضاعف أعداد الضحايا وأوقع قتلى إضافيين بين الجرحى والمسعفين على حد سواء .
تقارير التوثيق
أرسلت الأمم المتحدة لجنة تحقيق برئاسة الخبير السويدي “أكي سيلستروم”، التي خلصت إلى وجود “أدلة دامغة على استخدام غاز السارين على نطاق واسع”. ورغم أن التقرير لم يُشر مباشرة إلى الجهة المسؤولة التزاماً بالتفويض الممنوح له، إلا أن نوعية الصواريخ ومداها والإتجاهات التي أطلقت منها أثبتت تورط قوات النظام.
الدلالات السياسية والإنسانية
ـ رسالة ترهيب داخلي
لم يكن إستخدام الكيماوي، مجرد عمل عسكري لتحقيق مكاسب ميدانية، بل رسالة سياسية موجهة إلى الشعب السوري: الإستسلام أو الموت.
انتهاك صارخ للقانون الدولي
الهجوم يُعد خرقاً واضحاً لإتفاقيات جنيف و”بروتوكول” 1925 الخاص بحظر الغازات السامة، فضلاً عن كونه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
الموقف الدولي السلبي
رغم أن المجتمع الدولي أعلن أن “استخدام الكيماوي خط أحمر”، إلا أن ردود الفعل إقتصرت على الإدانات والتهديدات، ما رسّخ لدى السوريين شعوراً بالخذلان، ولدى النظام إحساساً بالإفلات من العقاب.
الموقف الأمريكي وتسوية أوباما/ بوتين
ـ الخط الأحمر المزعوم
قبل عام من المجزرة، وفي آب/أغسطس تحديداً، أعلن الرئيس الأمريكي (الأسبق) باراك أوباما أن “إستخدام أو نقل الأسلحة الكيماوية في سوريا سيكون خطاً أحمر” يستدعي التدخل العسكري. ومع وقوع المجزرة، ظنّ كثيرون أن ساعة الحسم قد حانت.
التراجع والبحث عن مخرج
لكن بدلاً من تنفيذ تهديده، تراجع أوباما تحت ضغوط داخلية وخارجية، وفتح الباب أمام مبادرة روسية تقضي بتجريد النظام من ترسانته الكيماوية مقابل تفادي الضربة العسكرية.
تفاصيل الاتفاق
في أيلول/سبتمبر، وُقّع اتفاق أمريكي/ روسي، إنضم بموجبه النظام السوري إلى “منظمة حظر الأسلحة الكيماوية” وتعهد بالكشف عن مخزونه وتسليمه لتدميره تحت إشراف دولي.
3-4)أبعاد الصفقة
هذا الإتفاق قدّم نفسه كحل “دبلوماسي” ينزع فتيل الأزمة، لكنه في جوهره كان صفقة سياسية: أنقذ النظام من ضربة عسكرية كانت وشيكة، وأعطاه شرعية ضمنية بصفته طرفاً موقّعاً على التزامات دولية، بدل اعتباره كياناً مارقاً ارتكب جريمة إبادة.
الشواهد على فشل التجريد الكامل
ـ بقاء مخزونات سرية
رغم إعلان منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في 2014 عن تدمير كامل الترسانة المصرّح بها، إلا أن تقارير لاحقة كشفت عن وجود مواد لم يُعلن عنها، وأن النظام احتفظ بكميات غير معلنة.
استمرار الهجمات الكيماوية
– في 4نيسان/ابريل عام 2017، استُهدفت بلدة خان شيخون في ريف إدلب بغاز السارين، ما أسفر عن مقتل أكثر من 80 مدنياً.
– في 7نيسان/ابريل عام 2018، استُهدفت مدينة دوما في الغوطة الشرقية بغاز الكلور، وأوقع الهجوم عشرات الضحايا.
مسؤولية مباشرة للنظام
لجان التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية أكدت مراراً مسؤولية النظام عن هذه الهجمات، وهو ما يثبت أن التجريد لم يكن كاملاً وأن الصفقة كانت التفافاً على جوهر القضية.
أثر الصفقة على مسار الصراع
ـ إطالة عمر النظام
التسوية الأمريكية/ الروسية منحت النظام فرصة لإعادة ترتيب صفوفه عسكرياً وسياسياً، ورسّخت قناعة لديه بأن المجتمع الدولي غير جاد في محاسبته.
ـ رسالة للضحايا
بالنسبة لذوي الضحايا والناجين، مثّلت الصفقة خيانة مضاعفة: فبدل القصاص، جرى التفاوض على تسوية تُبقي الجلاد في السلطة.
إضعاف الشرعية الدولية
غياب المحاسبة على جريمة بهذا الحجم قوّض مصداقية القانون الدولي، وفتح الباب أمام أنظمة أخرى لارتكاب إنتهاكات مماثلة دون خشية من العقاب.
ـ مطلب العدالة والقصاص
ـ العدالة كحق غير قابل للتفاوض
جريمة الكيماوي لا تسقط بالتقادم. والمحاسبة يجب أن تبدأ من رأس النظام بشار الأسد وصولاً إلى أصغر مسؤول متورط.
رفض سياسة الإفلات من العقاب
لا يجوز القبول بمنح الأمان تحت شعارات “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، لأن ذلك يُمثل إنكاراً لحقوق الضحايا ويُشرعن الجرائم.
ـ المسارات الممكنة
– القضاء الدولي: عبر المحكمة الجنائية الدولية، رغم عرقلة روسيا والصين لقرارات الإحالة.
– القضاء الوطني: عبر الولاية القضائية العالمية كما فعلت محاكم في ألمانيا وفرنسا بحق مسؤولين سوريين سابقين.
-المسار السياسي: عبر أي حل سياسي مستقبلي يضمن محاكمات عادلة وعدم منح حصانة للمتورطين.
مجزرة الغوطة بالكيماوي ستظل شاهداً على وحشية نظام بشار الأسد وعلى فشل المنظومة الدولية في حماية المدنيين. الإتفاق الأمريكي – الروسي لم يكن نصراً للديبلوماسية كما رُوّج له، بل كان صفقة سياسية أطالت عمر النظام وأبقت سلاح الجريمة في يده.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على تلك الجريمة، ما زال مطلب العدالة قائماً، وما يزال السوريون يرفضون المساومة على دماء الشهداء. العدالة قد تتأخر، لكنها لن تسقط بالتقادم، وستظل بنداً رئيسياً في أي مستقبل يُكتب لسوريا.



