جماهير مؤيدة للفساد في العراق!
“المدارنت”
يحصر ناقدو الفساد في العراق، المسؤولية عن نهب أموال هائلة بالسياسيين والأحزاب، ويفصلونها عن المجتمع، جاعلين الأخير ضحية. والفصل هذا يراد منه اختلاق ثنائية، طرفها الأول السلطة الفاسدة، والثاني المجتمع العاجز والمغلوب على أمره، وقطع أي صلة بين الطرفين، وجعل العلاقة بينهما فوقية/ سلطوية.
وفي ذلك الفصل، استمرار لتقليد رائج في الثقافة السياسية العربية، يميل لتبرئة المجتمعات من مشاكلها، وحصر التهمة بالسلطة، التي يجري نزعها عن أي جماعة أو طائفة أو إثنية، واختزالها بمركب قمع واستبداد وفساد، يسيطر على المجتمع ويشله ويتحكم بتطوره السلبي.
علما أن علاقة السلطة بالمجتمع التي كانت زمن صدام حسين، فوقية – قمعية، وتقتصر على صلات مع شبكات قرابة وولاء مركزها المثلث السني، تغيرت كثيراً بعد السقوط في 2003. إذ باتت أفقية تتمدد داخل الطوائف والإثنيات والأحزاب والميليشيات والوزارات ومجالس المحافظات، ضمن موازين قوى تمنح الشيعة الحصة الأكبر، وتحصر القوة العسكرية بهم.
وبين مكونات السلطة الجديدة هذه، ثمة تشابك واختلاط، فللطوائف ميليشيات لها مكاتب اقتصادية، ولها أحزاب تفرض تعيينات في الوزارات والمجالس، ضمن حصص متفق عليها. ولمركب الطائفة والميليشيا والحزب، امتدادات جماهيرية، تستفيد من رواتب وامتيازات وخدمات ووظائف ومكانة ونفوذ.
البعض مقاتلون في ميليشيات، وآخرون مناصرون في أحزاب، وأحيانا يتداخل الانتماءان، المناصر يصبح مقاتلا في الحروب الأهلية المستدامة، والمقاتل يصبح مناصراً في الانتخابات التي تعيد توزيع مراتب قوى السلطة، بل تبديلها.
وجذر الخلل، ليس في تمثيل الطائفة ضمن نظام سياسي يعكس مجتمعاً قوامه الجماعات، بل في الطوائف ذاتها. فالأخيرة، على ما تدلنا مراجعة سريعة لتاريخ العراق، لم تطرقها الحداثة السياسية، خصوصا في ما يتعلق بمفاهيم الدولة والمؤسسات والانتخابات والشرعية والقانون وتداول السلطة، ذاك أن أحزاب عقائدية، يسارية وقومية، وإسلامية بطبيعة الحال، وحدها من دك حصون الطوائف، فأعادت تدوير الانتماءات الهوياتية ضمن أيديولوجيات حديثة، من دون أن تمس بالبنى الصلبة، عداك من سقوط البلد في دوامة الانقلابات العسكرية التي اختلطت مع حروب الجماعات وتناقضات الريف والمدينة، ليستقر الحال، استبدادا طويلا، معطوفا على عنف وحشي، قبل أن يحصل التغيير من فوق، من دون قاعدة تستقبله.
كل ذلك، حرم الطوائف من أي فرصة لتطوير نفسها، بحيث تنتقل من أوضاع بدائية إلى أخرى حديثة، فلا تنظر للدولة كغنيمة، بل أداة لإدارة وتنظيم المجتمع، ولا تحل الخلافات بالانتقام والثأر بل تلجأ للقانون، ولا تعتمد العنف مدخلا لتحسين حصتها في السلطة، بل تعتمد الأحجام والأدوار، ضمن إقرار بتداول سلمي، أداته الانتخابات، ومسارحه مجالس التمثيل. والحرمان هذا، أسهمت في تكريسه، أدبيات سياسية – ثقافية سائدة، تحتقر الطائفة كبنية، بمعزل عن مساراتها التاريخية وإمكانية تطورها واكتسابها بعضا من الحداثة، وتحيلها إلى التخلف، وتدرجها ضمن عوائق بناء الدولة. وذلك بالضد من أمثلة تاريخية بارزة حول تفاوت أوضاع الطوائف، لناحية قربها من الحداثة السياسية أحيانا، وابتعادها التام عنها في أحيانا أخرى، إذ لا تقاس أوضاع سنة العراق حين كانت تقودهم نخبة من أعيان المدن وموظفي السلطنة العثمانية في أوسط العشرينيات، مع أوضاعهم حين بات يتصدرهم ريفي عنيف مثل صدام حسين.
بالنتيجة، فإن الطوائف في تشكلها البدائي الحالي وتداخلها مع الحزب والميليشيا، وتمددها في السلطة، بيئة خصبة للفساد، الذي يحظى بجماهير غفيرة، تصفق لاعتقال سارقين وناهبين للمال العام، من دون الانتباه إلى كونها جزءا من تركيبة معقدة، الفساد يشكل دورتها الاقتصادية، ويضخ الدم في شرايينها.



