مقالات

حين تكون اللغة أداة لقتلنا!

وليد حسين الخطيب/ لبنان

خاص “المدارنت”..
قال ابن خلدون: “يقلب الحاكم توجّسه وغيرته من شعبه إلى خوف على ملكه، فيأخذهم بالقتل والإهانة”.
لا يكاد يمرّ يوم، إلا ويتحفنا زعيم روحي أو زعيم سياسي أو صاحب سماحة أو صاحب سعادة أو صاحب معالي… بأقواله الكاذبة التي تشبهه، وتشبه قطيعه ومن يتبعه ومن يواليه… بأنّ جماعته أو فريقه السياسي أو حزبه… أوّل من دعا إلى محاربة الفساد، وأوّل من نادى ببناء وطن، وأوّل من أجرى اتصالات بالفرقاء الآخرين – الخصوم علنًا والشركاء سرًّا – للحوار وإلغاء الطائفية…
وذلك، بلغة نابعة من القلب والروح والوجدان، تجعلك تعتقد أنّه صادق في ادّعائه، وأنّ ما يقوله مقنع، وتصل إلى نتيجة مفادها: أنّ أمّك السبب في خراب الديار.. هذه اللغة التي قال عنها جورج أورويل: “لغة السياسة صُمِّمَت لتجعل الكذب يبدو صادقًا والقتل محترمًا”.
هذه اللغة التي أدّت إلى قتل شعب بكامله، وأقصد بالشعب، القلة القليلة التي لا تتبع أيًّا من هؤلاء الذين احترفوا مهنة القتل وتفنّنوا فيها.
نعم، الناس كلهم سيموتون، عاجلًا أم آجلًا، ولا تموت نَفْسٌ إلّا حين يأتي أجلها، فلا تستقدمها ساعة ولا تستأخرها. والموت والقتل نتيجتهما واحدة، هي الفناء، إلا أن الفرق بينهما كبير، ففي الحالة الأولى، يُخرِجُ الروحَ واضعُها فتنهدم البِنية، وفي الحالة الثانية، تُهدَم البِنية فتخرج الروح.
وهذا يعني أنّه يحصل بطريقة عكسية. فكم من بنية هدم زعماء لبنان، لا أستثني منهم أحدًا، بشكل مباشر – الحروب – وغير مباشر – سرقة أموال الناس، الغلاء الفاحش وحرمانهم من الدواء والعلاج والماء… – فخرجت الأرواح؟!
والمصيبة الكبرى، أنّهم اشتروا متزلّمين لهم من النخبة المثقّفة، إمّا يعرفون الحقيقة وصامتون عنها، أو يتكلمّون بأسمائهم، ويبرّرون أفعالهم، ويدافعون عنهم، ويمجّدونهم ويمدحونهم وينشرون بطولاتهم ويتغنّون بإنجازاتهم… التي لم نرَ منها شيئًا ولا حتى حبرًا على ورق.
كل هذا، باللغة التي يستخدمونها بتنميق وبلاغة ودقّة، حتى أصبحت أداة لقتلنا. هذه النخبة المثقفة – إن كانت فعلًا كذلك – يصحّ فيها قول تشي غيفارا: “المثقّف الذي يلوذ بالصّمت أكثر خرابًا من النظام الديكتاتوري والقمعي الذي يمارس القتل ضد أبناء شعبه”.
جرائم القتل المبرّرة التي يرتكبها هؤلاء الزعماء في حق أمّة كاملة – حتى التابعين والموالين لهم – تحوّلت إلى ظاهرة خطيرة، وانتشرت كالنار في الهشيم، وهي من أقذر تصرّفات البشر، كونها تشكّل اعتداء صارخًا على حق مقدّس من حقوق الإنسان، هو حقّه في الحياة التي لا يستطيع أحد أخذها منه إلا خالقه.
ما من مكان في العالم، إلا وفيه جرائم متنوّعة وكثيرة، بخاصة، القتل، ولا يكاد مجتمع يخلو منها، هذا لأنّ ما من شعب على وجه البسيطة، يعيش في المدينة الفاضلة، ونحن “لا ننشد عالمًا لا يُقتَل فيه أحد، بل عالمًا لا يمكن تبرير القتل فيه” (ألبير كامو).

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى