خرافة الاسترضاء ووهم الحرب وآليات الحل الثالث في إيران!

خاص “المدارنت”
لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال الأزمة الإيرانية المعقدة والتشابكات الجيو/ سياسية المحيطة بها في البرنامج النووي وحده، أو حصرها في الصواريخ الباليستية والتدخلات الإقليمية العابرة للحدود. بل تؤكد التقارير الميدانية المستقلة الصادرة عن مراكز الرصد الدولية، أن هذه الأزمات المتتالية متجذرة بعمق بالغ في البنية الصلبة لنظام سياسي يعتاش أساساً على القمع الداخلي، وتصدير التطرف، وافتعال الأزمات المستمرة لتصدير مشاكله الوجودية إلى الخارج.
إن الإشكال البنيوي العميق هنا لا يكمن في مجرد سلوك سياسي عرضي قابل للإصلاح أو التعديل عبر الضغوط الديبلوماسية، بل يكمن في طبيعة نظام ولاية الفقيه نفسه، مما يجعل أي محاولة لتغيير السلوك مجرد وهم سياسي وتفريط فادح بالمتطلبات الجوهرية لبقاء السلطة الحاكمة.
ومن هذا المنطلق الاستراتيجي، فإن تحقيق الاستقرار الإقليمي المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا بانتقال السيادة الكاملة إلى الشعب الإيراني عبر تغيير النظام جذرياً، وليس عبر الاكتفاء بتعديل أدائه الشكلي الذي أثبت عقمه تماماً طوال العقود الماضية.
مأزق الاسترضاء ومخاطر العسكرة الخارجية وتداعياتها
أثبتت التجارب التاريخية الملموسة خلال العقود الأربعة الماضية عقم السياستين التقليديتين الفاشلتين المتمثلتين في سياسة الاسترضاء المستمرة وسياسة الحرب الخارجية. فقد أدت سياسة الاسترضاء، عبر تقديم الامتيازات الاقتصادية والدبلوماسية السخية وغض الطرف السافر عن انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، إلى تمويل آلة القمع الداخلي وتغذية النزعات العدوانية الإقليمية بدلاً من دفع النظام نحو الاعتدال المزعوم.
وفي المقابل، لا تشكل الحرب العسكرية المباشرة أو التدخل الخارجي بأي حال من الأحوال حلاً ديمقراطياً منشوداً، بل تؤدي فوراً إلى تحويل الشعب الإيراني المظلوم إلى ضحية كبرى، وإتاحة الفرصة التكتيكية والسياسية للنظام لتوظيف شعار العدو الخارجي لتشديد القبضة الأمنية، وعسكرة المجتمع بالكامل، وإخفاء أزماته الداخلية الهيكلية الخانقة.
الحل الثالث: انتفاضة الشعب والمقاومة المنظمة كبديل حقيقي
في مواجهة هذه الخيارات الكارثية والمأزومة، يبرز حصرياً الحل الثالث القائم على الاعتماد الحاسِم والمطلق على العامل الداخلي المتمثل في الانتفاضات الشعبية المتواصلة والمقاومة المنظمة الواعية. لقد أكدت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، في مناسبات سياسية ودولية عدة — منها كلمتها البارزة أمام البرلمان الإيطالي في يوليو 2026 — أن استمرار المساومة والمهادنة يشجع طهران على التمادي في غيها ليس إلا، مشددة بوضوح على أنه “ما دام نظام الملالي قائماً فلن تنعم المنطقة بالسلام والاستقرار”.
إن السخط الشعبي العارم والمتصاعد ضد كافة أجنحة النظام ورموزه يحتاج بالضرورة الموضوعية إلى هياكل تنظيمية صلبة وواعية تمنع انزلاق البلاد نحو أتون الفوضى والتفكك المدمر، وتوجه الطاقة الثورية العارمة نحو هدف إسقاط الديكتاتورية وإقامة بديل ديمقراطي حقيقي يعيد للبلاد توازنها واستقرارها المنشود.
خريطة الطريق نحو إيران المستقبل ومسؤولية المجتمع الدولي
لا يقتصر التغيير المنشود على مجرد استبدال وجوه بأخرى داخل المنظومة الحاكمة البائدة، بل يستهدف حتمياً تفكيك الاستبداد بالكامل ونقل السيادة الوطنية إلى الأمة جمعاء من دون وصاية. وفي هذا السياق الاستراتيجي المتكامل، تقدم خطة النقاط العشر التي طرحتها المقاومة الإيرانية إطاراً سياسياً وتشريعياً متكاملاً لمرحلة ما بعد السقوط، حيث ترتكز هذه الخطة على مبادئ إرساء جمهورية ديمقراطية، والتعددية السياسية الحقيقية، وفصل الدين عن الدولة بشكل كامل، والمساواة الجندرية التامة، واحترام حقوق القوميات والمكونات، فضلاً عن الالتزام التام بإيران خالية من الأسلحة النووية.
وفي هذا الصدد التاريخي الدقيق، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وسياسية كبرى تتمثل في رفع الغطاء عن الديكتاتورية والكف تماماً عن سياسة الحفاظ على النظام، ودعم حق الشعب الإيراني الأصيل في نيل حريته عبر تبني استراتيجية واعية قوامها الأساسي: “لا للاسترضاء ولا للحرب”، وصولاً إلى استقرار حقيقي ودائم يعيد الأمن للشرق الأوسط بأسره.



