دمنا المستباح في فلسطين وسوريا.. وصمة عار على جبين العالم!

كتب أحمد العربي/ سوريا
خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيّين”
… أولا: لم يكن غريبا وغير متوقع ان ينفجر غضب المقاومة الفلسطينية ممثلة بحماس ومن التحق بها من فصائل، حيث استباحت حكومة الاحتلال الصهيوني دماء الفلسطينيين بشكل يومي قتل واعتقال واجتياح في بلدات ومدن الضفة الغربية. هذا غير استباحة الحرم القدسي بشكل شبه يومي من قبل المتطرفين الصهاينة مع استعمال العنف العاري بحق المصلين والمعتكفين نساء ورجال وأطفال في قدسنا وأقصانا..
أعاد هذا الغضب القضية الفلسطينية كلها الى مربعها الاول. محتل غاصب متجبر قاتل مدعوم من كل العالم. وشعب تسلح مقاوميه بحقهم بأرضهم واستفادوا من تجاربهم السابقة وجعلوا الكيان الصهيوني في حالة ذعر ورعب وخوف ليوم واحد يساوي سنين مما أعد وعمل ليصنع لنفسه كاريزما وحضور وجبروت. لقد هاجم المقاومين العدو الصهيوني في مواقعه العسكرية وفي المستوطنات المحيطة بغزة، كان جنوده جبناء لم يقاوموا قتل منهم اكثر من الف وأسر المئات…
حصل الهجوم بمعدات مبتكرة استفاد المقاومين من امكانياتهم العلمية في الطيران الشراعي والصواريخ التي دكت معاقل العدو. اندفع المقاتلين الشجعان الذين قتلوا الجنود الصهاينة وهم مرعوبين خائفين وهاربين…
أسقط المقاتلين الفلسطينيين في يوم واحد اسطورة جيش الكيان الصهيوني الذي لا يقهر. واعادهم الى التفكير بامكانية استمرار الكيان في فلسطين المغتصبة أم بدأت نهايته؟.
ثانيا: كانت استجابة الكيان الصهيوني بقيادة نتنياهو مسعورة. ولم يكن أمامهم لستر عارهم وتغطية ضحاياهم وفضيحة اجتياح مستعمراتهم وجبن جنودهم المقتولين والآخرين المأسورين. الا ان يعتمد على “قاعدة حماة” كما اسماها المعلّقين الصهاينة وهي التدمير الشامل للأرض والبشر والعمران… تدمير كل شيء كما فعل الأسد الأب في حماة عام ذ982 م. وكما فعل ابنه ونظامه المستبد المجرم الطائفي في كل سورية عبر ثلاثة عشر عاما من عمر الثورة السورية.
ثالثا: إن الحقيقة التي تجلت في طوفان الأقصى لكل العالم هي ان الظلم والعدوان والاستعمار والإذلال والقتل العشوائي والاعتقال والسجن وسلب الأرض وتضييق العيش لا يحول أصحاب الحقوق إلى عبيد. ولا يلغي مشروعية حقوقهم ولو امتد العدوان لعقود تكاد تصل للقرن إن أخذنا بعين الاعتبار الهجرة اليهودية الى فلسطين أيام المحتل الإنكليزي قبل إعلان الكيان الصهيوني سنة 1948 م. حيث حصلت أول حرب بين الدول العربية والكيان الصهيوني الوليد في تلك السنة. انهزمت الدول العربية. وصدر قرار دولي بتقسيم فلسطين إلى دولتين فلسطينية (ويهودية) صهيونية. فرضت في مجلس الأمن وبدعم من القوى العظمى أمريكا وروسيا وإنجلترا وفرنسا…
ثم عمل الكيان الصهيوني بدعم امريكي غربي للقيام بعدوان 1967 م. على مصر عبد الناصر والأردن وسوريا. حيث احتلت سيناء المصرية والجولان السورية والضفة الغربية الفلسطينية بقية فلسطين التاريخية التي كانت تحت حكم الأردن. ومن يومها أصبحت كل فلسطين تحت حكم الاحتلال الصهيوني.
لم تغير حرب 1973 م. التي بادر فيها المصريين السادات والسوريين الأسد الاب الحرب التي زادت من رقعة الأراضي المحتلة في البلدين. وتم الوصول الى وقف اطلاق النار مع مصر عبر كيسنجر ادى مع استمرار التفاوض إلى صلح بين السادات والكيان الصهيوني واتفاقية سلام وقعت في كامب دايفيد الامريكية عام 1979 م. ومنذ ذلك الوقت خرجت مصر من الصراع مع الكيان الصهيوني. أما في سوريا فقد حصل اتفاق فك الاشتباك مع الكيان الصهيوني عام ١٩٧٤م الموقع بين الأسد الأب وكيسنجر أخرج سوريا منذ ذلك الوقت للآن من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني على الحدود السورية. ولم يبق لدى النظام السوري الى ادعائه أنه من محور المقاومة مع إيران وبعض الفصائل التابعة لهما مثل “حزب الله” اللبناني وبعض الفصائل الفلسطينية مثل مجموعة احمد جبريل.
رابعا: لم يستسلم الشعب الفلسطيني منذ السنوات الأولى للّجوء فقد بدأ بعمليات مقاومة مسلحة عبر حدود دول الطوق العربي حول فلسطين سوريا ومصر والأردن ولبنان وكذلك البحر.
بدأت عمليات المقاومة المنظمة بعدما أنشأ أبو عمار ياسر عرفات وآخرين حركة التحرر الوطني الفلسطيني فتح عام 1965 م. وبدأت عملياتها عبر الحدود الأردنية بشكل أساسي. عوضت عملياتها عن شعور هزيمة 1967 م. حيث حصلت معركة الكرامة عام 1968 م. على حدود الأردن بعد الهزيمة أصابت العدو الصهيوني بمقتل. واظهرت منذ ذلك الوقت ان طريق المقاومة هو الذي يؤدي إلى تحرير فلسطين. ثم انتقلت المقاومة الى لبنان بعد أيلول الأسود عام 1970 م. حيث حصل صراع بين الجيش الأردني والمقاومة. ومن لبنان بدأت المقاومة معاركها مع الكيان الصهيوني. وكان لها تأثير كبير. جعل الصهاينة يتبادلون الأدوار مع النظام السوري في ضرب المقاومة الفلسطينية. فلم يعجب نظام الأسد ان تكون المقاومة الفلسطينية فاعلة في لبنان. وكان الدخول الوحشي للجيش السوري الى لبنان، حيث قام بمجزرة في مخيم تل الزعتر الفلسطيني عام 1967 م. كما اعتمد النظام السوري الصمت على اجتياحات الكيان الصهيوني للبنان حيث وصل الصهاينة الى بيروت عام 1982 م. والذي ادى الى اجتثاث تواجد المقاومة الفلسطينية من لبنان بنقلها إلى تونس حيث انعدام إمكانية أن تقوم بأي أعمال مقاومة جدية…
خامسا: لم تتوقف روح مقاومة اهلنا في فلسطين. حيث حصلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987 م. والثانية 2000 م. التي اربكت الصهاينة وجعلتهم يفكرون بحل يشبه الحكم الذاتي للفلسطينيين. وهكذا عاد ابو عمار من تونس الى فلسطين واستقر في رام الله ليكون رئيس شبه دولة فلسطينية. بعد اتفاقيات أوسلو عام 1994 م.
… كان يرى أبو عمار، من خلفية براغماتية وعن دراية بالقوى الدولية، أن اقرب حلّ للقضية الفلسطينية هو حلّ الدولتين المقرر دوليا. لكن الكيان الصهيوني ووراءه امريكا والغرب لم يكونوا يريدونه، الا لاطفاء الانتفاضة وتحويله إلى شرطة تأتمر بما يريد الكيان الصهيوني. لذلك اختلف معهم وقاومهم واعتصم في مركز الحكم في رام الله حتى قتلوه بالسم عام 2004 م. وعيّن ابو مازن/ محمود عباس على اساس انه متفهم ومتقبل للمطالب الصهيونية الامريكية…
سادسا: لم يتقبل أهلنا الفلسطينيين بما آلت إليه حركة فتح بعد وفاة أبو عمار بأنها شرطة في حكم أقل من ذاتي تحت إمرة الصهاينة. لذلك تسارعت “حركة الجهاد الإسلامي” التي نشأت عام 1981 م. و”حماس” التي نشأت في عام 1987 م. للظهور في الساحة بموقفهم الجذري المقاوم.
سادسا. لقد كان لكل حركات المقاومة الفلسطينية مظلة سياسية وهي منظمة التحرير الفلسطينية التي تأسست عام 1964 م. لتكون منبرا سياسيا للفلسطينيين. وسرعان ما أصبحت تمثّل أجندة المقاومة الفلسطينية بقيادة أبو عمار فيها “حركة فتح” و”الجبهة الشعبية” و”الجبهة الديموقراطية” و”جبهة التحرير العربية”، وغيرهم. وعندما تأسست “حركة الجهاد الإسلامي” و”حماس”، لم يلتحقوا بـ”منظمة التحرير”، حيث اختلفوا على حصصهم في مقاعد منظمة التحرير. وضمن لعبة الصراع على السلطة بين فتح وحماس استحوذ على السلطة في الضفة الغربية فتح بقيادة أبو عمار، ثم أبو مازن. وفي غزة استحوذت على السلطة “حماس”. وافترق الاخوة.
سابعا: استفاد الكيان الصهيوني من اختلاف “حماس” و”فتح”، وأجّج صراعهم. وأصبح يستقوي على حماس في غزة حيث انسحب الصهاينة من غزة عام 2005 م. مرغمين. وشنّو بعد ذلك عليها حروبًا متتالية في أعوام: 2008 و2009 و2012 م. و2014 و2019 و2021 و2022 م. وكان آخرها هذه معركة طوفان الأقصى هذا العام …
لم تقبل “حماس” الأمر الواقع للاحتلال الصهيوني لفلسطين، ولم تكتفي بتواجدها في شبه دولة في غزة. كثافة سكانية عالية هذا مع تبعية حياتية كاملة للكيان الصهيوني ماء وكهرباء ومواد غذائية. حيث قرر الصهاينة عزل عزة وشعبها وحكومتها ومنع إمكانية تأثيرها على الكيان الصهيوني. لكن المقاومين من حماس لم يستسلموا للأمر الواقع. وبخاصة بعد حصول اتفاق غير معلن من أمريكا وحلفائها في المنطقة العربية لاعتبار حماس خطيرة عليهم كما هي خطيرة على الكيان الصهيوني. لم ينسى الشارع العربي ولا الصهاينة دعم الثورة المصرية ورئيسها الشرعي محمد مرسي لـ”حماس” والثورة السورية. وبعد الردة على الربيع العربي وسقوط الثورة في مصر. بدأت شيطنة الحركات الإسلامية وخاصة “الإخوان المسلمين”، حيث اعتبرت “حماس” تابعة لذات المدرسة السياسية. وهكذا بعد إجهاض الربيع العربي لم يبقى يدعم “حماس” سوى دولة قطر كإحتضان وإعادة إعمار بعد الاجتياحات والتدمير الناتج عن كل عدوان جديد، كذلك امداد مواد غذائية، دون تورط بدعم عسكري. كذلك تركيا التي كانت نصيرة للربيع العربي واحتضنت قادة حماس ودعمتهم سياسيا. ولكن لم تصل للدعم العسكري بحكم ارتباطاتها بحلف الناتو ولحسابات سياسية واقتصادية مع مصر والكيان الصهيوني بخاصة في حوض البحر المتوسط واستثمار البترول والغاز المكتشف حديثا…
ثامنا: وهكذا بعد أن رفعت دول الخليج يدها عن دعم حماس لم يبق لها إلا إيران التي تلقفت عزلة “حماس”، وحاجتها الماسة لمنفذ حيث تقدم لحماس بعض الدعم اللوجستي المتواضع لتستطيع أن توطن سلاحها الخاص وتطوره وتستثمره بعد ذلك في معركة طوفان الأقصى. ولا نستطيع أن نلوم “حماس” استعانتها بإيران، مهما كان حجم هذا الدعم طالما انها تريد خدمة أجندة مقاومة الكيان الصهيوني. كما لا ننظر لما تدّعيه إيران تجاه “حماس” على أنه انتقال الى معسكر دعم الشعب الفلسطيني. بل هو استثمار سياسي. تماما مثل دعم “حزب الله” اللبناني للهيمنة والسيطرة على لبنان، ودعم إيران للنظام السوري وإطلاق يد ذراعه “حزب الله”، ومشاركتهم في قتل السوريين وتشريدهم، ودعم النظام الطائفي المستبد عبر ثلاث عشر عاما. هم سبب كل الكوارث التي حصلت بيدهم مع الروس بحق الشعب السوري…
تاسعا: لم يحتمل الكيان الصهيوني حجم الضربة القاضية التي كالتها له المقاومة ممثلة في حماس لذلك اعتمدت على استراتيجية الأرض المحروقة بحق أهلنا في غزة معتمدة نموذج النظام السوري المستبد المجرم بحق الشعب السوري. استهداف المساكن والمجمعات والتجمعات الشعبية والمشافي وسيارات الإسعاف والمخابز وكل شيء. قطعت الماء والكهرباء ومنعت المواد الغذائية والمساعدات الدولية للناس المدنيين المظلومين. لقد نفّذ الكيان الصهيوني الدرس السوري بحذافيره… نسترجع تدمير المعضمية وداريا وأحياء حمص وحلب الشرقية وكثير من البلدات السورية في سوريا كلها. لقد اعتمد النظام التهجير. والعدو الصهيوني يريد أن يهجر الفلسطينيين خارج غزة، حتى يجعلهم مشكلة لدول الجوار العربي ويجعلهم مشردين ابديين بعد سبعين عاما عن تشردهم الاول. مصر والأردن يرفضون دخول الفلسطينيين الى دولهم وهذا إيجابي بحق الفلسطينيين…
عاشرا: مرة أخرى يتأكد لنا ما أدركناه منذ عقود من ان أمريكا والغرب يتعاملون مع بلادنا وشعوبنا وقضايانا من منطق الاستعباد والدونية والعداء. فما أن بدأت معركة “طوفان الأقصى” بنتائجها الكارثية على الصهاينة حتى تكتل الغرب كله ضد الشعب الفلسطيني في غزة وغيرها من فلسطين وبرر كل عمليات القتل والتدمير والاستباحة. وكأننا شعوب خلق لنقتل ليستفيد الغرب وربيبته دولة الصهاينة…
جاء وزير خارجية أمريكا، وقال انه يهودي اولا. هي معركة عقائد إذن. وجاء الرئيس الأمريكي وايد كل المذابح الصهيونية بحق الفلسطينيين التي كان ذروتها مجزرة المشفى العربي (المعمداني) وضحاياه الخمسمائة في لحظة واحدة وكلهم من الأطفال والنساء.
أخيرًا: المضحك المبكي في المشهد الحاصل الآن في غزة:
– استمر قصف النظام السوري المجرم على أهلنا العزّل في المناطق المحررة ادلب وجوارها ولا هدف لهم الا القتل للمدنيين في ذات الوقت الذي يستبيح الصهاينة غزة ويقتلون شعبنا الفلسطيني هناك. تناغم خطير ومعبّر…
– ظهر وزير خارجية النظام الإيراني وقبله (السيد علي) الخامنئي، وبعده (الرئيس الإيراني إبراهيم) رئيسي، وكلهم يتباكون على الدم الفلسطيني المسفوك في غزة… بعض السياسة عار: ايران في سوريا ذئب تجري الدمام من أنيابه. وفي غزة حمل وديع يبكي على أهلنا الضحايا هناك.
– أختم بالقول ان إيران و”حزب الله”، لن يتورّطوا بحرب مع “إسرائيل” (الكيان الصهيوني) لا من جنوب لبنان ولا من الجولان. لانه لا يخدم مصلحة ايران المتقاسمة المصالح مع أمريكا والغرب في بلادنا. ولا أنكر خوف ايران وحلفائها من الوحش الامريكي المستنفر المدجج بأسلحته القادم لدعم الكيان الصهيوني…
– الأيام حبلى بكثير من المستجدات القادمة.. ننتظر لنرى…



