مقالات

دور الفكر الاغترابيّ في إنقاذ الوطن!

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”
كان لبنان منذ الأزل، وما يزال، محطّة عبور من الشرق إلى الغرب لأنّه لم يستطع – حتّى الآن – أن يؤسِّس لدولة قادرة على تحويله إلى وطن؛ يثِق بثباته واستمراريّة وجوده أبناؤه جيلًا بعد جيل.

كان طموح الكثير مِمّن يسكن هذا البلد، وما يزال، أكبر ممّا يستطيع ان يقدِّمَهُ مسؤولوه من خدمات عامّة وفُرَص عمل وآمال لا يتّسع لها إلّا المدى الذي يتخيّله اللبنانيّون؛ وراء أفق البحر الزاخر بكلّ ألوان احتمالات النجاح والثروة والحياة الحرّة الكريمة..

ألهجرة من لبنان قديمة؛ قِدَم الإنسان، والتعلُّق بلبنان شديد كتعلُّق الإنسان بالحياة.. لذلك، لم ينقطع اللبنانيّ عن حبِّه للبلد الذي وُلِد وترعرع فيه، ولا عاد قادرًا على العودة إلى العيش في ربوعه، فكانت العلاقة بين الفروع والأصول تأخذ أشكالًا مختلفة؛ تحدِّدها المسافات والحالات الاجتماعيّة والماليّة والثقافيّة للأفراد والعائلات..

في العصور الحديثة، بدأت الهجرات إلى أميركا الشماليّة والوسطى والجنوبيّة في القرن الثامن عشر، نظرًا لتشكُّل الدول هناك واستقرارها بعد حروب قاسية بين السكان الأصليّين والمستوطنين الأوروبّين. كانت الهجرة خجولة، إلى حدّ ما، من بلاد الشام التي كانت تعاني من اضطهاد العثمانيّين، لأكثر من قرنين من الزمن، ومن الفقر والعوَز وضيق العيش وندرة فرص العمل، ونظرًا لتميُّز أهل هذه البلاد بالطموح وعشق المغامرة والاكتشاف..

انتشر اللبنانيّون في قارّة أميركا؛ من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها، بائعين متجوِّلين في الأرياف، وعاملين في ما تيسّر لهم من أعمال في المدن إلى أن تحوّلوا مع مرور الزمن، إلى جاليات فاعلة في الاقتصاد والثقافة والسياسة، بخاصّة بعد موجات الهجرة الكثيفة في فترات متقطِّعة من القرن العشرين، وبداية الواحد والعشرين. ثمّ عندما نهضت بعض دول الخليج العربيّ وأفريقيا الغربيّة والجنوبيّة الغربيّة وأستراليا، كان اللبنانيّون سبّاقين في الانتشار حيث تمكّن لهم التواجد والانتشار محرزين نجاحات، خاصّة في أفريقيا، أسهمت بشكلّ مُلفت في نهضة البلاد التي حلّوا في ربوعها..

نعود إلى أميركا، حيث امتدّت الهجرة اللبنانيّة إلى كلّ مفاصل الحياة في طول القارّة وعرضها. كان دور المهاجرين اللبنانيّين الأوائل؛ يغلب عليه الطابع الثقافيّ، حيث برز تجمُّعات نوعيّة لشعراء وكتّاب ومُبدِعين، صقلتهم تجربة البلاد التي هاجروا إليها ودفعهم عشقهُم وحنينُهم إلى لبنان، الى أن يتحوّلوا إلى منارات عالميّة في الانتاج الإبداعي الذي أسّس لمدارس مستمرّة في الأدب والشعر والفكر.

لقد تجلّى ذلك من خلال المروحة الواسعة من الإصدارات الرائعة والحيّة، التي نتجت عن “الرابطة القلميّة” في أميركا الشماليّة مع جبران خليل جبران وميخائل نعيمة وايليا أبو ماضي وغيرهم، وعن “العصبة الأندلسيّة” في أميركا الجنوبيّة مع رشيد سليم الخوري والياس فرحات و”المعالِفة”، وغيرهم ممّن حلّقوا عاليًا، رافعين اسم لبنان، في سماوات الإبداع الرحبة..

أمّا مهاجرو هذا العصر فمُنهَمِكون بشكل كبير، في التجارة والأعمال، وكلّ ما يؤدّي إلى تحسين أوضاعهم وأحوالكم المعيشيّة إلى أن يأتي أولادهم، فيتوجّه أغلبهم إلى العلم بكلّ فروعه ومجالاته، فيتبوّأون المناصب الرفيعة في إدارة الأعمال والمؤسّسات على اختلاف أنواعها وأحجامها، من مستشفيات ومصارف وجامعات ومؤسّسات رسميّة وخاصّة، بالاضافة إلى مشاركتهم الفاعلة والفعّالة في الحياة السياسيّة، انتخابًا وترشُّحًا ووجودًا في كلّ مواقع الدولة.

ألجيل الأوّل من المهاجرين؛ يستمرّ ارتباطه بلبنان، لأسباب كثيرة، منها عشق البلد والأمل بالعودة إليه، والالتزام بمساعدة الأهل والأقارب والشأن العامّ في القرية التي عاش وترعرع فيها قبل الهجرة..

أمّا الجيل الثاني، فيفقد إلى حدّ كبير، ارتباطه بلبنان، لكنه يعتبره مسقط رأس أهله، فيميل إلى أن يحبّه ويحاول زيارة ما تبقّى من أقربائه وآثار عائلته هناك وربّما، لقضاء عطلته السنويّة في أجمل بلد، وأروع مناخ، وأكثر المجتمعات ترحيبًا واحتفاءً بالقادمين إليها.. الجيل الثالث، يفقد الارتباط نهائيًّا، ولا يرى منه إلّا الانتماء إلى أصول لبنانيّة أو عربيّة.

إذن، لبنان المهاجر، أصبح أكبر حجمًا وأعظم تأثيرًا وفاعليّة من لبنان المُقيم في كثير من المجالات؛ فهو يمدّ البلاد والعباد بالدعم المالي الذي يتجاوز سنويًّا العشر مليارات من الدولارات، عدا عن المال الذي يُضَخّ في الدورة الاقتصاديّة التي يُعَدّ المغترب أحد أهمّ عواملها؛ كونه يقوم بزيارات متكرِّرة إلى مسقط رأسه، او مسقط رأس أهله، وإلى أقاربه من أجل السياحة والاستجمام وقضاء الأوقات الممتعة في المصايف والأرياف، بالإضافة إلى ما يوفِّره عشرات الآلاف من المتقاعدين المغتربين من أصل لبنانيّ في قراهم وبلدانهم التي عادوا إليها، تاركين أبناءهم وأحفادهم في بلاد المهجر..

لبنان، بما يقوم به المغتربون، يحافظ على دورته الاقتصاديّة، وبعض تماسُكِه الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ، بمنهجيّة تلقائيّة لا يمكن وصفها إلّا بالابداع اللبنانيّ الذي لا يعرف كنهَهُ إلّا الله، والراسِخون في علم الاقتصاد والاجتماع والسياسة والفهلوِيّة..

لبنان هذا، مُطالَب أكثر من أيّ وقت مضى، بإيجاد فريق عمل يقوم بدراسات معمّقَة؛ تضع خطَطًا استراتيجيّة بنّاءة لكيفيّة الحفاظ على الروابط بين المغترب والمقيم، وتمتينها من خلال خلق آليّات متجدِّدة تتجذّر في العقل الجمعيّ للّبنانيّين، لكي لا يفقد لبنان هذه الميزة التي تشكِّل إحدى بواخر الخلاص له ولأبنائه في هذه المحيط الهائج من قراصنة البشريّة المُرعِبين..

أمّا المغتربون، فعليهم توسيع مجالات اهتماماتهم الفكريّة والثقافيّة والاستثماريّة التي تعمِّق روابطهم بالبلد الأمّ، وتسهم في النهضة الشاملة التي يجب على كلّ اللبنانيّين في العالم العمل على إحداثها. هذه النهضة بحاجة إلى ضخّ الأموال والإنتاج الثقافيّ في شتّى المجالات، من أجل التلاقح الفكريّ والعلميّ بين المتحدِّرين من أصل لبنانيّ وعربيّ في كلّ أصقاع الأرض، وتمتين أواصر الروابط التي تجمع هؤلاء حول القضايا الجوهريّة التي تهمّ الإنسان اللبنانيّ والعربيّ، بشكل عام، وتكون ذخرًا مضافًا للإنسانيّة جمعاء.

كما أن الحركات الثقافيّة والفكريّة في لبنان، بحاجة إلى دعم مالي حقيقيّ، من خلال عمل مؤسّسِيٌ يربط لبنان المقيم بلبنان المغترب، لكي تزدهر الثقافة ويزدهر الفكر، وتنشأ الحالة الثقافيّة والأدبيّة الواسعة في مدى تواجد اللبنانيّين والعرب في كلّ مكان..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى