مقالات

رحل المير طارق ناصر الدين

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
طارق ناصر الدين، لم يكن شاعرا فذا فحسب؛ بل كان كيانا ثقافيا متحركا متفاعلا مع كل ما يحيط به، وما تعيشه بلاده وأمته من ويلات وتحديات وأخطار، حمل في صورته الذهنية ثم الشاعرية أرفع آمالها، وأعلى أمانيها في التحرر والوحدة والتقدم؛ شاعريته لم تكن إحساسا فرديا بالحياة؛ بل إنسيابا نفسيا وذهنيا وتعبيريا مع متطلباتها وشروط معناها: العزة والكرامة، لم تكن في شعرة ثمة مسافة للأنا والنرجسية التي أذهبت عن كثيرين:
كتابا وشعراء وقادة أحزاب وسياسيين صفات العقلانية والموضوعية والأصالة، فاوقعتهم في أسرها، وأبعدتهم عن الناس وهمومهم ومشكلات حياتهم، فأصبحوا هم أنفسهم مشكلة تحتاج إلى حل؛ أصالة الإلتزام بالمعنى الحقيقي للشعر والثقافة جعلت المير طارق بعيدا عن كل مظاهر وبهرجات الحياة والمواقع، أصالته الفكرية أبقته في دائرة التفاعل المباشر مع نبض الناس وتطلعاتهم في زمن تهاوى فيه كثيرون إلى عتبات المظاهر والمنافع والتعبير اللفظي عن التطلعات فيما كثير من المواقف والممارسات تنبئ بإستعلاء الأنا والمصلحة على الأصالة والإلتزام..

ثمة ضوابط ومواصفات جعلت المير طارق، حالة ثقافية دائمة التفاعل والتأثير، حالة تحتاج إلى توثيق علها تحمل دروسا لمن يريد أن يتعلم ويتقدم في التعبير الحقيقي عن أصالة الفكر والهوية والإلتزام..
في الوقت الذي طغت عليه لغة المصالح والمكاسب والترزق فوق لغة التعبير والصدق؛ وفي الوقت الذي توسعت ثقافة الإنقسام والتبعية والعصبيات الضيقة القزمة؛ لتغزو جوانب الثقافة والسياسة ولغة التواصل وإتجاهات الإهتمام؛ بقي المير طارق متماسكا متمسّكا بهويته القومية العربية فوق أي إنتماء تفصيلي تقزيمي آخر..بقي مستمسكا بالعروبة شبكة من الهوية والتاريخ والمستقبل والإنقاذ، رغم كل الإغراءات والضغوط لم ينسحب من العروبة ليتحدث لغة السوق المذهبي أو الطائفي أو النرجسي، رغم كل الحروب النفسية والثقافية والإعلامية على العروبة هوية وإنتماء قوميا، لم يتصور ذاته يوما إلا شاعر العروبة الأعلى صوتا والأكثر صدقا وحرصا، لم يكن إيمانه بعظمة جمال عبد الناصر وأهمية تجربته مجرد عاطفة شاعرية؛ بل إيمانا عميقا وتعبيرا أصيلا عن هوية تاريخية لا ترتضي بديلا من أي نوع؛ ولو كان الثمن كل إغراءات النظم وثرواتها المكدسة ولوثة موجات التحشيد الإنقسامي الوضيع..
وفيما يتآكل الإنسان في لبنان؛ بفعل نظام فاسد مرتهن لمصالح رأس المال العالمي وأدواته المحلية؛ بقي وعي المير طارق واضحا مدركا آفاق المستقبل؛ وبقي ملتصقا بالحياة البسيطة لكل لبناني، يعيشها كما هي من دون بهرجة أو تزييف أو تصنّع، فكان شعره لصيقا بهموم الإنسان العربي واللبناني في مواجهة كل أرباب الفساد والخذلان والتبعية..
لم يكن مجرد شاعر فذ؛ بل حالة ثقافية متحركة فاعلة مؤثرة تحمل معها أينما إرتحلت وحلت قيمها ومواصفاتها وضوابطها المعبرة:

الشاعر الراحل طارق ناصر الدين

– إلتزام قومي عربي أصيل واضح وصريح وعميق، لا يعرف المساومة ولا يقبل الإنكسار.
– إلتصاق بالحياة اليومية البسيطة التي يعيشها فقراء أبناء الوطن، معبرا عنهم متفاعلا مع همومهم وتطلعاتهم..
– إبتعاد عن شبهات الترزق والتكسب والبهرجة وصخب المظاهر والإمتيازات..
– إلتزام تام بمعنى الثقافة الأصيل ومضمونها الواقعي المعبر عن هوية مجتمع كامل، وليس عن مشاعر فردية أو عواطف شخصية..
– وعي سياسي ثقافي تاريخي بواقع الوطن والأمة، وخطورة التخلي عن الإلتزام النضالي المتجدد في كل عمل من أعمال الثقافة والتعبير..
– مقاوما لكل انواع الخطر على الهوية والإنتماء والأصالة، وفي بعضها تلك الحداثة الشعرية التي تفلتت من كل ضابط ومن كل قيمة لغوية ومضمون صادق أصيل..
لهذا كله كان المير ملتزما بفلسطين قضية التحرر العربي مؤمنا بجمال عبد الناصر، رمزا للأمة وعنوان مستقبلها الحر المتقدم، ملتزما بالإنسان الكريم الحر مدافعا عنه ساعيا له بالحرية..
لو كان في البلاد تقييم موضوعي وتقدير حقيقي للمعاني الإنسانية، لاستحق المير طارق لقب: أمير شعر العروبة والأصالة والإلتزام..
بهذا الجمع بين كل تلك المواصفات والضوابط؛ كان المير كيانا ثقافيا متفردا متميزا في وقت تطغى ثقافات الفردية والنرجسية والعصبيات والمصالح والتبعيات متعددة المبررات.
رحمه الله؛ وليكن تكريمه من الأصحاب والأحباب ورفاق الدرب وجلساء الشعر وندماء الإلفة، ببلورة “مؤسسة ثقافية” تعبر بصدق عما جمعه المير في شخصيته وعقله ووجدانه من أصالة الإنتماء، وإباء الثقافة وعنفوان الإلتزام والتعبير الصادق عن الإنسان الحر المنتمي إلى أمته وشعبه ووطنه، وإلى الإنسان أولا وأخيرًا..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى