مقالات

رحلة لبنان الشاقّة لانتخاب رئيس جديد!

“المدارنت”..
تغيّرت أخيرا ظروف لبنان، الذي يخضع، منذ مدة سنتين وقرابة ثلاثة أشهر، لحالة عطالة سياسية كبرى تمثلت بعدم قدرة أي فريق سياسي ممثل في البرلمان على انتخاب رئيس. تمكنت البلاد، في الجولة الثانية من انتخابات النواب، من الحصول على الرئيس الجديد: (رقم 14 منذ الاستقلال) قائد الجيش جوزف عون.

كان التعطيل الطويل جدا أقرب لتكرار ما حصل عند نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان، والذي كان ثاني شغور في الرئاسة منذ الاستقلال، واستمر عامين ونصف العام، وانتهت هذه المرحلة (بعد 46 جلسة برلمانية) بفوز ميشال عون، مرشّح تحالف يضم «التيار الوطني الحر» المسيحي، و«الثنائي الشيعي»: «حزب الله» و«حركة أمل». والراعيان الخارجيان لهؤلاء، نظام بشار الأسد في سوريا والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
تبلورت في ذلك الحكم إشكالات هذا التحالف المعقد، جامعة بين دوران لبنان في النفوذ الإقليمي لطهران، عبر السطوة العسكرية والسياسية للحزب، وتداخل الملفين اللبناني والسوري (مع دخول «حزب الله» إلى سوريا للمشاركة في قمع الثورة الشعبية ضد النظام) بالتزامن مع انتشار الفساد السياسي الذي أفقر البلاد وساهم في انهيار فظيع لمؤسسات الدولة المالية والإدارية، وتفاقم هذا كله مع قمع الانتفاضة الشعبية التي انطلقت في 17 تشرين أول/ أكتوبر 2019، والتستر على قضية تفجير مرفأ بيروت في آب/أغسطس 2020.
قوبل إصرار هذا التحالف على انتخاب مرشحه سليمان فرنجية، المقرب من سلطة الأسد، بإصرار مقابل من الأطراف اللبنانية الأخرى، على تقديم بديل يمكن أن يغير معادلة استمرار تدمير الاقتصاد اللبناني، ويعيد المجال للسياسة والتوافق بدل الغلبة العسكرية، التي أسفرت عن وجهها بشكل عنيف بسيطرة «حزب الله» على بيروت وبعض مناطق جبل لبنان في 7 أيار/مايو 2008، وحولت النظام السياسي اللبناني إلى رهينة، وارتبط هذا أيضا بمشروع لفك العزلة اللبنانية عن محيطه العربي والغربي.
جاءت عملية «طوفان الأقصى» والحرب الإسرائيلية الشاملة ضد فلسطينيي القطاع، لتغيّر فجأة ديناميّات المنطقة بأكملها بما في ذلك لبنان، دافعة «حزب الله» للمساهمة في معركة «مساندة غزة» ضد الإسرائيليين، بالتنسيق مع حلفاء إيران، في اليمن والعراق وسوريا.
لكن الظروف الخانقة في لبنان (وسوريا) جعلت الحزب عمليا، يقاتل من دون جبهة داخلية لبنانية تدعمه، كما كان الحال في حرب 2006، فتخلّى حليفه المسيحي، «التيار الوطني» عنه.
إضافة إلى ذلك فقد كشفت الضربات الهائلة للحزب عبر مجزرة «البيجر» وتصفيات مسؤوليه الكبار، الاختراقات الأمنية الكبيرة داخله.
ظهرت وسائل إعلام «حزب الله» يوم أمس لتؤكد أن انتخاب عون هو «قرار أمريكي» لكن الواقع أن هذا الانتخاب ما كان ليتم من دون موافقة الحزب وشركائه في البرلمان على هذا القرار، وهو إقرار بالواقع الجديد، بغض النظر عن حصول الحزب وشركائه على «ضمانات» من الراعيين الدوليين الرئيسيين: أمريكا وفرنسا، والراعي العربي ممثلا بالسعودية.
الأمل، بعد كل هذا الخراب الكبير الذي حاق بلبنان واللبنانيين، أن يكون انتخاب الرئيس الجديد إيذانا بمرحلة جديدة لتسويات، لا تشمل لبنان فحسب، بل تشمل أيضا سوريا والمنطقة العربية… من دون أن ننسى أن الفلسطينيين، ما زالوا تحت النار، وأن التسوية، صغرى كانت أم كبرى، ما تزال بعيدة عن أنظارهم.

المصدر: رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى