ردّ على التهجّم على الاسلام!

كتب د وائل كريم/ فلسطين
“المدارنت”..
… “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ” (4).
في معرض حديث بين الدكتوره وفاء سلطان وأحد الفقهاء واجهته الأولى بهذه الآية الكريمة على أنها دليل على الإسلام الارهابي وأن هذا الدين دين الغزوات وانه يأمر المسلمين بقتل المسيحيين وما الى ذلك من الإدعاءات، ولكن للأسف ما كان من الاخير الا ان أنسحب من اللقاء ولم يكن لديه ما يدافع به عن إسلام المحبه والسلام والتسامح.
وقد توجه بعض المتابعين الي كي أقول رأيي في ذلك.
بدايةً لا بد من التنويه ان هذه الآية من سورة محمد جاءت من ضمن التعليمات التي وجهت من خالق الكون إلى محمد واتباعه لتهذيب طرق التعامل في الحرب التي كان يضطر المسلمين دخولها دفاعًا وليس غزوًا كما ادعت الدكتوره وفاء سلطان، فلا يمكن لآيات قرآنيه ان تتعارض مع المبدأ القرآني في عدم بدء العدوان “وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (البقرة 190) ومع مبدأ التعايش في سلام مع الآخرين “ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (سورة البقرة 208). ولذلك فإن الأحاديث التي ذكرتها الدكتورة وفاء بأن الإسلام يطالب بالغزو فهي تتعارض مع القرآن الكريم ولذلك لن اجهد نفسي في تكذيبها لأنها قطعًا منافية لكتاب الله.
بالرجوع إلى الآية الكريمة فإنها تتحدث عن ملاقاة الذين كفروا، فطبعًا الحرب لا تقوم إلا بين كافرين فكل طرف يكفر بحق الآخر ولذلك فهم يتخاصمون، وهنا نرى ان الله يقول إذا لقيتم وليس لاقيتم يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ، وهنا تعني المواجهة وليس اللقاء العفوي، اي ان الاية تتحدث عن الحرب وليس عن لقاء عفوي بينك وبين من كفر بك أو بحقك، لذلك فإن الآية الكريمة لا تتحدث مطلقًا عن توجهك إلى الآخر بمبادرتك وبدء حرب ضده فذاك يكون معنى لاقيته بمبادرة منك.
فضربَ الرقاب، وهنا نجد بوضوح ان المعنى بعيد جدًا عن الضرب بمعنى التعنيف والرقاب بمعنى الأعناق فلو كان كذلك لقال فاضربوا أعناقهم، وأن الفتحه على آخر الضرب تعني انها حال، أي ان في الحرب عليكم ضربَ الرقاب والضرب تعني في القرآن الأسرى “وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ “، كذلك آية “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ…”
اما كلمة ضرب في اللغة فهي الفصل بين شيئين {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} (سورة طه آية 77)، (و استخدم القرآن هنا تعبير “اضرب” لأن الفعل يؤدى إلى الفصل بين كتلتين من المياه).
من هنا فإن الاية تتحدث عن وجوب فصل الأسرى عن ساحة الحرب وعدم استعمالهم كدروع بشرية وهذه قمة في الاخلاق في قوانين الحرب وليست كما قال السلف وصدقه كثيرون مثل الدكتوره وفاء سلطان وانا لا ألومها.
ولا يعنى ضرب الرقاب في الآية قتل الأسرى على الإطلاق، لأنه لا معنى لشد الوثاق بعد قتل الإنسان كما يتضح من الآية {حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} فشد الوثاق لا يكون إلا للحى حتى لا يهرب.
ومعنى {أَثْخَنتُمُوهُمْ } في هذا السياق قد يعني أنهم أصبحوا غير قادرين على مواصلة العدوان والقتال وقد يعني في اللغة العربية “إقامة الحجة” عليهم في المناقشة (أو كما نسميه اليوم بالمباحثات الدبلوماسية!).
ثم كيف يأمر القرآن بأن يتم المن على هؤلاء الأسرى أو مبادلتهم مع أسرى آخرين {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} إذا كان ضرب الرقاب يعنى القتل! ويتضح من ذلك أن ضرب الرقاب تعنى فصل الأسرى لا ذبحهم.
ويؤكد هذا المعنى للآية وسياقها قوله تعالى بعد ذلك {حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} فإن قتل الأسرى وذبحهم يزيد الحرب اشتعالا لا يطفئها، وعلى النقيض من ذلك فإن فصل الأسرى وعدم استخدامهم كدروع بشرية، والمن عليهم بعد ذلك هو ما يجعل الحرب تضع أوزارها لكي تطفأ نيران الحرب، وذلك يتفق مع إرادة الله للبشر أن يعيشوا في سلام مع بعضهم البعض:
{ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ويتسق تماما مع ما أمر به القرآن في معاملة الأسرى “وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا” (سورة الإنسان آية 8-9).
هذا هو الفهم الذي نستطيع ان نرد به على كل التزويرات التي غزت فكرنا وجعلت حجة علينا من قبل السلف الذين اخضعوا الدين الى أهواء السلاطين وفسروا الكتاب بما يخدم أطماعهم وليس في ذلك من القرآن بشيء والإسلام بريء من هذه الإدعاءات والخرافات الفكرية التي علينا نبذها واخراجها من محيط الوعي الانساني والاجتماعي الحديث.



