البابا من بعبدا: لبنان نموذج للسلام والمصالحة وفاعلو السلام هم أمل المستقبل.. عون: لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم!

“المدارنت”
وصلالبابا لاوون الرابع عشر والوفد المرافق الى مطار بيروت الدولي، عند الساعة الرابعة الا ربعا من بعد ظهر اليوم، واستقبله على باب الطائرة مدير عام المراسم والعلاقات العامة في رئاسة الجمهورية د. نبيل شديد، والسفير البابوي باولو بورجيا الذي رافقه الى ارض المطار حيث كان في استقباله عند اسفل الدرج، رئيس الجمهورية اللبنانية جوزف عون وعقيلته السيدة نعمت عون. وبعد تبادل التحيات صافح البابا رئيس مجلس النواب/ رئيس حركة “أمل” نبيه بري، وحيا عقيلته السيدة رندا بري، ورئيس مجلس الوزراء د. نواف سلام وعقيلته السيدة سحر بعاصيري، والبطريرك الماروني بشارة الراعي.
وقدم طفلان ناجيان من مرض السرطان من مركز CCCL الى البابا باقة ورد وصينية احتوت على ترابً من جنوب لبنان، وخبزً من جبله، وملحً من شماله.
بعد ذلك، توجّه البابا ورئيس الجمهورية وعقيلته إلى المنصّة الرئيسيّة، حيث صافح قداسته كلا من بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف الاول العبسي، بطريرك بيت كيليكيا للارمن الكاثوليك روفائيل بيدروس الحادي والعشرين ميناسيان، وبطريرك السريان الكاثوليك اغناطيوس يوسف الثالث يونان.
وبعد عزف النشيدين الفاتيكاني واللبناني، وإقامة التشريفات الرسمية، صافح البابا الوفد اللبناني المستقبل الذي ضمّ كلا من: سفير لبنان لدى الفاتيكان السفير فادي عساف، نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، ونواب هيئة مكتب المجلس النيابي آلان عون، هادي أبو الحسن، اغوب بقرادونيان، ميشال موسى، عبد الكريم محمد كبارة، محافظ جبل لبنان محمد مكاوي، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل.
ثم صافح الرئيس عون الوفد الفاتيكاني المرافق الذي ضمّ رئيس مجمع تعزيز الوحدة المسيحية الكاردينال كورت كوخ، رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال كلاوديو غوجيروتي، رئيس مجمع الحوار بين الأديان الكاردينال جورج جاكوب كوفاكاد، نائب أمانة دولة الفاتيكان المطران إدغار بينيا بارّا، سكرتير العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية المطران بول ريتشارد غالاغر، رئيس الاحتفالات الليتورجية البابوية المطران دييغو رافيللي، السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا، سكرتير السفارة البابوية الأب ياكوب توماشيفسكي، مدير المراسم المونسنيور ليوبومير فيلنيتز، مدير المراسم المونسنيور ماسيميليانو ماتيو بوياردي، أمانة دولة الفاتيكان (القسم الإيطالي) المونسنيور جوزيبي ميرولا، أمانة دولة الفاتيكان (القسم الإنجليزي) المونسنيور بول موس، أمانة سر دولة الفاتيكان (القسم الفرنسي)المونسنيور غيوم ميّو، رئيس مجمع الاتصالات الدكتور باولو روفيني، مدير المكتب الصحافي للكرسي الرسولي د. ماتيو بروني، المدير التحريري لمجمع الاتصالات د. أندريا تورنييللي، مدير صحيفة “اوسيرفاتوري رومانو” د. أندريا موندا.
وبعد استراحة قصيرة في القاعة الرئاسية في المطار، انطلق وفد البابا لاوون الرابع عشر باتجاه القصر الجمهوري، وقد ازدانت الطرقات بالاعلام اللبنانية والفاتيكانية، كما اصطف على جانبي الطريق المؤدي الى القصر اعداد من اللبنانيين واللبنانيات الذين رحبوا بقداسته في لبنان.
إشارة الى انه عند دخول طائرة البابا الأجواء اللبنانية، رافقها سرب من سلاح الجو اللبناني، كما اطلقت سفن البحرية اللبنانية ابواقها، والمدفعية 21 طلقة لدى وصول طائرته الى ارض المطار. وقد حضر عدد من اللبنانيين واللبنانيات حاملين الأعلام اللبنانية والفاتيكانية ترحيبا بالضيف الكبير. وقد ازدانت ردهات القاعة الرئيسية في المطار بأزهار النرسيس البيضاء التي ترمز إلى الرجاء والتجدد ونشر البخور في أرجاء القاعة.


كلمة البابا في قصر بعبدا
قال البابا لاوون الرابع عشر في كلمته امام السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الديبلوماسي في القصر الجمهوري :”إنّه لفرح كبير لي أن ألتقي بكم وأزور هذه الأرض حيث “السلام” هو أكثر من مجرَّد كلمة: السَلام هنا هو شَوق وهو مصير، وهو عطيّة وورشة عمل مفتوحة دائمًا. أنتم مكلّفون بالسُلطة في هذا البلد، كلِّ في مجاله الخاصَ وبأدوار محدّدة. ومن منطلق هذه السُلطة، أودّ أن أوّجه إليكم كلام يسوع، الذي تمّ اختياره ليكون مصدر إلهام أساسيّ لهذه الزيارة:
“طوبى لفاعلي السّلام” (راجع متّى 9 ،5). بالتّاكيد، هناك ملايين اللبنانيّين، هنا وفي كلّ العالم، يخدمون السّلام بصمت، يوما بعد يوم. أمّا أنتم، الذين تحملون المسؤوليّات المختلفة في مؤسّسات هذا البلد، فلَكُم تطويبة خاصة إن استطعتم أن تُقَدِّموا هدف السّلام على كلّ شيء. أودّ، في لقائنا هذا، أن أفكِّر معكم قليلًا في معنى أن نكون فاعلي سلام في ظروف بالغة التعقيد، ومليئة بالصراعات والاضطراب.
بالإضافة إلى جمال الطّبيعة في لبنان وغِناه الثّقافيّ، اللذين أشاد بهما من قبل جميع أسلافي الذين زاروا بلدكم، تتجلّى صفةً تُميّز اللبنانيّين: أنتم شعب لا يستسلم، بل يقف أمام الصّعاب ويعرف دائمًا أن يُولّد من جديد بشجاعة”.
اضاف:”صمودكم هو علامة مميّزة لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السّلام الحقيقيين: في الواقع، عمل السّلام هو بداية متجدّدة ومُستمرة. الالتزام من أجل السَلام، ومحبّة السلام لا يعرفان الخوف أمام الهزائم الظّاهرة، ولا يسمحان للفشل بأن يثنيهما، بل طالِب السَلام يعرف أن ينظر إلى البعيد، فيقبل ويعانق برجاء وأمل كلّ الواقع. يتطلّب بناء السّلام مثابرة، وحماية الحياة ونموّها تتطلّب إصرارًا وثباتًا.
اسألوا تاريخكم. واسألوا أنفسكم من أين تأتي هذه الطّاقة الهائلة التي لم تترك شعبكم قطّ يستسلم ويبقى مُلقَّى على الأرض، بلا رجاء. أنتم بلد متنوّع، وجماعة مكوَّنةٌ من جماعات، لكنْ موحّد بلغة واحدة: لا أشير هنا فقط إلى اللغة العربيّة اللبنانيّة التي تتحدّثون بها، والتي نثرت، في ماضيكم النّبيل، لآلئ لا تُقدَّر بثمن، بل أشير بصورة خاصّة إلى لغة الرّجاء، اللغة التي سمحت لكم دائمًا بأن تبدأوا من جديد. يبدو أن نوعًا من التّشاؤم والشّعور بالعجز قد سَاد حولنا، في كلّ أنحاء العالم تقريبًا: وصار النّاس لا يقدرون حتّى أن يسألوا أنفسهم ما الذي يمكنهم أن يعملوه لتغيير مجرى التّاريخ”.
وتابع:”تبدو القرارات الكبرى وكأنّها تُتّخذ من قبل قلّة من النّاس، وأحيانًا على حساب الخير العام، ويَظهر ذلك كأنّه قدرّ محتوم.
أنتم عانيتم الكثير من تداعيات اقتصادٍ قاتل (راجع الإرشاد الرّسولي، فرح الإنجيل، 53)، ومن عدم الاستقرار العالميّ الذي خلّف آثارًا مدمّرة في المشرق أيضًا، ومن التّشدّد وتصادم الهويّات ومن النّزاعات، لكنكم أردتم وعرفتم دائمًا أن تبدأوامن جديد”.
اضاف:”يمكن أن يفتخر لبنان بمجتمع مدنيّ نابض بالحياة، غنيّ بالكفاءات، وبشباب قادرين على أن يعبّروا عن أحلام وآمال بلد بأكمله. أشجّعكم إذًا على ألا تنفصلوا أبدًا عن شعبكم، وأن تضعوا أنفسكم في خدمة شعبكم، الغنيّ بتنوّعه، بالالتزام والتّفاني. أرجو لكم أن تتكلّموا لغة واحدة: لغة الرّجاء التي تجمع الجميع ليبدأوا دائمًا من جديد. لَيت إرادة الحياة والنّموَ معًا، شعبًا واحدًا، تجعل من كلّ جماعة صوتًا واحدًا في سيمفونيّة متعدّدة الأصوات. ليساعدكم أيضًا رباط المودّة العميق الذي يشدّ اللبنانيّين الكثيرين المنتشرين في العالم إلى وطنهم. إنّهُم يحبّون وطنهم الأصليّ، ويصلُّون من أجل الشّعب الذي يشعرون بأنّهم جزء منه، ويُعزّزونه بخبراتهم وكفاءاتهم المتعدّدة التي تجعلهم موضع تقدير في كلّ مكان”.
وقال:”هكذا نأتي إلى الميزة الثانية لفاعلي السّلام: فهُم لا يعرفون فقط البدء من جديد، بل يفعلون ذلك بصورة خاصة بطريق المصالحة الشّاق. في الواقع، هناك جراح شخصيّة وجماعيّة تتطلّب سنوات طويلة، وأحيانًا أجيالا كاملة، لكي تلتئم. إن لم تُعالَج، وإن لم نعمل على شفاء الذّاكرة، وعلى التّقارب بين من تعرّضوا للإساءة والظّلم، فمن الصّعب السّير نحو السّلام. سنُراوح حينئذ مكاننا، كلّ واحدٍ أسيرَ آلامه ورؤيته للأمور. لا يمكننا أن نبلغ الحقيقة إلّا باللقاء. كلّ واحدٍ منّا يرى جزءًا من الحقيقة، ويعرف جانبًا منها، لكنّه لا يستطيع أن يستغني عمّا يعرفه أو يراه الآخر وحده. الحقيقة والمصالحة تنموان دائمًا وفقط معًا: سواء في العائلة، أو بين الجماعات المختلفة والمكوّنات المتعدّدة في بلد ما، أو بين البلدان المختلفة”.
اضاف:”في الوقت نفسه، لا توجد مصالحة دائمة بدون هدف مشترك، وبدون انفتاح على مستقبل يسود فيه الخير على الشَّرّ الذي عانى منه النّاس أو فرضوه على غيرهم في الماضي أو الحاضر. لذلك، لا تولد ثقافة المصالحة من القاعدة فقط، ومن استعداد البعض وشجاعتهم، بل تحتاج إلى السُلُطات والمؤسّسات التي تعترف بأنّ الخير العام هو فوق خير الأطراف. والخير العام هو أكثر من مجموع مصالح كثيرة: إنّه يقرّب أهداف الجميع بقدر المستطاع ويدفع الجميع في اتّجاه واحد ليُحقّقوا أكثر ممّا لو استمرّ كلّ فردٍ وحده. في الواقع، السلام هو أكثر بكثير من توازن، دائمّا مهاهل، بين الذين يعيشون منفصلين تحت سقف واحد. السلام هو أن نعرف أن نعيش معًا، في وَحدة وشركة،متصالحين بعضنا مع بعض. المصالحة، التي تسمح لنا بأن نعيش معًا، وتُعَلّمنا أيضًا أن نعمل معًا، جنبًا إلى جنب، من أجل مستقبل مشترك.
إذّاك، يصير السلام تلك الوفرة التي ستدهشنا عندما يتسع أفقنا إلى ما وراء كلّ حدّ وحاجز. أحيانًا نفكر في أنّه، قبل أن نتّخذ أيّة خطوة، يجب أن يتمّ توضيح كلّ شيء، وحلّ كلّ شيء، لكن المواجهة المتبادلة، حتّى في حالة سوء الفهم، هي الطّريق التي تودّي إلى المصالحة. الحقيقة الكبرى هي أنّنا نجد أنفسنا معًا منغرسين في مخطّط أعدّه اللّٰه لكي نصير فيه عائلة.
وتابع:” أود أن أشير إلى ميزة ثالثة لفاعلي السلام. إنهم يجرؤون على البقاء، حتّى عندما يكلّفهم ذلك بعض لتضحية. هناك لحظات يكون فيها الهروب أسهل، أو ببساطة، يكون الذّهاب إلى مكان آخر أفضل. يتطلّب البقاء أو العودة إلى الوطن شجاعةً وبصيرة، باعتبار أنّ الظّروف الصّعبة هي أيضًا جديرة بالمحبّة والعطاء. نعلّم أنّ عدم الاستقرار، والعنف، والفقر، ومخاطر كثيرة أخرى هنا، كما في أماكن أخرى من العالم، تُسَبِّب نزيفًا في الشَّباب والعائلات الذين يبحثون عن مستقبل في مكان آخر، مع شعور عميق بالألم لمغادرة الوطن. بالتأكيد، يجب أن نعترف بأنّ أمورًا إيجابيّة كثيرة تأتي إليكم من اللبنانيّين المنتشرين في العالم. مع ذلك، يجب ألا ننسى أنّ البقاء في الوطن والمساهمة يوما بعد يوم في تطوير حضارة المحبّة والسلام، هو أمر يستحقّ التقدير. في الواقع، الكنيسة لا تهتمّ فقط بكرامة الذين ينتقلون إلى بلدان أخرى، بل تريد ألا يُجبَر أحد على المُغادرة وأن يتمكّن من العودة بأمان كلُّ الرّاغبين فيها. في الواقع، التتقّل البشريّ هو فرصة هائلة للّقاء والغنى المتبادل، لكنّه لا يُلغي الرّابط الخاصّ الذي يربط كلّ واحد بأماكن معيّنة، والتي يَدينُ لها بهويّته بشكل فريد. والسّلام ينمو دائمًا في سياق حيّ وعمليّ، قوامه روابط جغرافيّة وتاريخيّة وروحيّة. علينا أن نشجّع الذين يعزّزون هذه الرّوابط ويتغذّون بها، دون أن يقعوا في النّزعات المحلّيّة والقوميّة. أشار البابا فرنسيس في الرّسالة البابويّة العامّة “كلّنا إخوة” إلى هذا الطّريق: “ينبغي النّظر إلى البُعد العالميّ، الذي يحرّرنا من ضيق الأفق المنزليّ. فعندما لا تبقى الدّار عائلة، بل تصبح سياجًا أو زنزانة، يحرّرنا البُعد العالميّ لأنَّه أشبه بالغاية النّهائية التي تجذبنا نحو الكمال. وفي الوقت نفسه، يجب أن نتبنّى بصدق البُعد المحليّ، لأنَّه يمتلك شيئًا لا يملكه البُعد العالميّ:وهو أن نكون خميرة، وأن نثري، وأن نُطلق آليّات التّعاون والتكامل. لذلك، فإنّ الأخوّة الشّاملة والصّداقة الاجتماعيّة داخل كلّ مجتمع هما قطبان لا ينفصلان ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما” (142)”.
وتابع:”إنّه تحدّ ليس فقط للبنان، بل لكلّ المشرق: ماذا يجب أن نفعل حتّى لا يشعر الشّباب، بشكل خاصّ، بأنّهم مضطرّون إلى أن يتركوا أرضهم ويهاجروا؟ كيف نحثّهم على ألّا يبحثوا عن السّلام في مكان آخر، بل أن يجدوا الضّمانات ويصيروا روّادًا له في موطنهم الأصليّ؟ المسيحيّون والمسلمون، مع كلّ المكوّنات الدّينيّة والمدنيّة في المجتمع اللبنانيّ، مدعوّون إلى أن يقوموا بدورهم في هذا الصّدد، ويلتزموا بتوعية المجتمع الدّوليّ.
في هذا السّياق، أودّ أن أشدّد على الدّور الأساسيّ للنساء في التزامهنّ الدّووب والصّابر للحفاظ على السَلام وبنائه. لا ننسَ أنّ للنّساء قدرة خاصّة على صنع السّلام، لأنَّهُنَّ يُحسِنّ حفظ الرّوابط العميقة وتطويرها بالحياة وبين الأشخاص ومع الأماكن. إنّ مشاركتُهنَّ في الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة، وكذلك في حياة جماعاتهنّ الدّينيّة، آخذين بالحسبان الطّاقة الشَّبابيّة التي لديهنّ، هي في العالم كلّه عنصر من عناصر التّجدّد الحقيقيّ. طوبى، إذًا، لفاعلات السلام، وطوبى للشّباب الذين يبقون أو يعودون، لكي يبقى لبنان أرضًا نابضة بالحياة.
أختتم وأستلهم صفة أخرى ثمينة من تقليدكم العريق. أنتم شعب يحبّ الموسيقى، التي تتحوّل في أيّام الاحتفال إلى رقص ولغة للفرح والتّواصل. هذا الجانب من ثقافتكم يساعدنا لنفهم أنّ السّلام ليس مجرّد نتيجة جَهد بشريّ، مهما كان ضروريًّا، بل هو عطيّة من الله، تسكن أوّلًا قلوبنا. إنّه مثل حركة داخليّة تتدفّق إلى الخارج، تؤهِّلنا لأن نهتدي بأنغام تفوقنا، هي نغم المحبّة الإلهيّة. من يرقص يتقدّم بخطواتٍ خفيفة، من دون أن يدوس الأرض، ويجعل انسجامًا بين خطواته وخطوات الآخرين. هكذا هو السّلام: طريق يحرّكه الرّوح القدس، الذي يضع القلب في حالة إصغاء ويزيد انتباهه واحترامه للآخرين. لَيت هذا الشّوق إلى السّلام ينمو بينكم، الشّوق الذي ينبع من اللّٰه ويستطيع أن يغيِّر منذ اليوم طريقة نظركم إلى الآخرين، فتسكنوا معًا هذه الأرض، الأرض التي يحبّها اللّٰه حبًّا عميقًا ويستمرّ في مباركتها.
السَّيَد الرّئيس، السُّلُطات المحترمين، أشكركم مرّة أخرى على حفاوة الاستقبال التي استقبلتمونا به. كونوا على ثقة بأنكم في صلاتي وصلوات كلّ الكنيسة من أجل خدمتكم السامية للخير العام”.

الرئيس اللبناني
من جهته، قال رئيس الجمهورية جوزاف عون خلال استقبال البابا في قصر بعبدا: “بفرح عظيم، أرحب بكم، رسول سلام في وطن السلام. بشرف عظيم، و باسم الشعب اللبناني بكل مكوّناته وطوائفه وانتماءاته، أرحّب بكم في هذا الوطن الصغير بمساحته، الكبير برسالته، لبنان الذي كان وما زال أرضاً تجمع بين الإيمان والحرية، بين الاختلاف والوحدة، وبين الألم والرجاء”.
اضاف: “إنّكم لا تزورون بلداً عادياً، بل أرضاً محفوفة بخطوات التاريخ المقدّس فقد ذُكِر لبنان في الكتب المقدّسة مراراً، رمزاً للعلو والثبات والقداسة. وقد استعمل نشيد الأناشيد جبال لبنان وغاباته كرموز للجمال والروعة والنقاء، فغدت هذه الأرض شاهدة على عظمة الخلق ووفاء للتاريخ المقدّس، بفخر عظيم، أرحب بقداستكم، على أرض الكنعانية الراجية شفاء ابنتها. حتى قال لها يسوع: “يَا امْرَأَة، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ”.
وشعبنا اليوم كله يا صاحب القداسة، مثل تلك الكنعانية. إيماننا عظيم… ورجاؤنا شفاء النفوس والقلوب والعقول، من الأحقاد والحروب والدمار …
أهلاً وسهلاً بكم، على الأرض المسيّجة بالعذراء، والمكرسة لإسمها. من أقصى الجنوب حتى أقصى الشمال.
وفي الوسط سيدة المنطرة قرب صيدا، حيث انتظرت العذراء ابنها يسوع. حتى جعلنا يوم بشارتها، عيداً وطنياً لكل طوائف لبنان ولكل أدياننا الإبراهيمية. في ظاهرة لم يعرفها أي بلد آخر في العالم”.
وتابع:”أهلاً وسهلاً بكم، على الأرض، التي من بعض مائها المتدفق من حاصباني الجنوب، تعمّد يسوع في نهر الأردن”.
وقال الرئيس عون.”لبنان ليس مجرد أرض تاريخية، بل موطن القديسين العظام، ومنهم القديس شربل الذي ستزورون مقامه المبارك، كرّمه الله بعطايا ومعجزات امتدت لكل البشر، دون تمييز بين الأديان، مظهراً وحدة الشعب اللبناني وإيمانه العميق.
هذا هو لبنان الذي يستقبلكم اليوم يا صاحب القداسة. لبنان الذي تكوّن بسبب الحرية ومن أجلها. لا من أجل أي دين أو طائفة أو جماعة. وطن الحرية لكل إنسان. والكرامة لكل إنسان. وطن فريد في نظامه، حيث يعيشُ مسيحيون ومسلمون، مختلِفين، لكنْ متساوين. في نظامٍ دستوري قائم على التساوي بين المسيحيين والمسلمين. وبالانفتاح على كل إنسان وضمير حر. هذه فرادة لبنان في العالم كله. وهذه دعوته لكل الأرض”.
وتابع:”من هنا واجبٌ الإنسانية الحية الحفاظِ على لبنان. لأنه إذا سقطَ هذا النموذجُ في الحياة الحرة المتساوية بين أبناء ديانات مختلفة، فما من مكانٍ آخرَ على الأرض، يَصلحُ لها.
وكما قلت في نيويورك، أكرر من بيروت: إذا زالَ المسيحيُ في لبنان، سقطت معادلة الوطن، وسقطت عدالتُها. وإذا سقطَ المسلمُ في لبنان، اختلت معادلة الوطن، واختلّ اعتدالها.
وإذا تعطل لبنانُ أو تبدل، سيكونُ البديلُ حتماً، خطوطَ تماسٍ في منطقتِنا والعالم، بين شتى أنواعِ التطرّفِ والعنفِ الفكري والمادي وحتى الدموي. هذا ما أدركه الكرسي الرسولي دوماً.
ولهذا رفع قداسة بولس السادس صوته باكراً دفاعاً عن وحدة لبنان وسيادته. كما خلّد القديس يوحنا بولس الثاني لبنان في ذاكرة العالم بقوله التاريخي “لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة في الحرية والتعددية معاً، للشرق كما للغرب”. قبل أن يكرس سابقة كنسية استثنائية، بتخصيص سينودس عام، خاص للبنان.
وهو من قال عنا قبل 40 عاماً، بأن وجود المسيحية الحرة في لبنان، شرط لاستمرارها وازدهارها في كل منطقتنا”.
واضاف:”نحن نجزم اليوم، بأن بقاء هذا اللبنان، الحاضر كله الآن من حولكم، هو شرط لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء ابراهيم كافة.
وصولاً إلى قداسة البابا بنديكتس السادس عشر، زائر المحبة والحكمة، الذي أكّد من بيروت، أن مستقبل الشرق لا يمكن أن يُبنى إلا بالشراكة والتعددية والاحترام المتبادل. وكانت خطوته بالغة الدلالة والرمزية، بأنه لم يعلن الإرشاد الرسولي الخاص بالشرق الأوسط، إلا من لبنان.
وها نحن نستقبلكم يا صاحب القداسة رابعَ خليفةٍ لبطرس يزور وطننا ، في خطوة لا تقل بلاغة في الرسالة والدلالة. إذ أردتم أن يكون لبنان، أرض زيارتكم البابوية الأولى خارج روما. فجئتم إليه مباشرة من نيقيا، من أرض قانون الإيمان، في ذكراه الألف وسبمعمئة.
لتؤكدوا مجدداً إيمانكم بنا. ولنجدد معاً إيماننا بالإنسان. جئتم إلى أرض الكنائس التي وصفتموها بالشهيدة. لتزرعوا فينا الرجاء، ولنحولها شاهدة على القيامة.
جئتم إلينا يا صاحب القداسة، لنقرأ في وجهكم المضيء، كلماتكم الرائعة في رسالتكم العامة الأخيرة، “لقد أحببتك”، بأن لمس جرح مقهور على الأرض، هو كلمس جراح يسوع في التاريخ ،وفي أرضنا اليوم، وأرض منطقتنا، الكثير من القهر، والكثير من المتألمين. وجراحهم تنتظر لمستكم المباركة. وتتطلع إلى سماع وإسماع صوتكم العظيم الشجاع.
صاحب القداسة، أبلغوا العالم عنا، بأننا لن نموت ولن نرحل ولن نيأس ولن نستسلم. بل سنظل هنا، نستنشق الحرية، ونخترع الفرح ونحترف المحبة، ونعشق الابتكار، وننشد الحداثة، ونجترح كل يوم حياة أوفر..
أبلغوا العالم عنا، بأننا باقون مساحة اللقاء الوحيدة، في كل منطقتنا، وأكاد أقول في العالم كله. حيث يمكن لهذا الجمع أن يلتقي حول خليفة بطرس. ممثلين متفقين لكل أبناء ابراهيم، بكل معتقداتهم ومقدساتهم ومشتركاتهم … فما يجمعه لبنان، لا يسعه أي مكان في الأرض. وما يوحده لبنان لا يفرقه أحد”.
واكد” بهذه المعادلة يعيش لبنان في سلام مع منطقته، وفي سلام منطقته مع العالم.
ومن الآن حتى يسمع المعنيون ويقتنعوا، لا خوف علينا صاحب القداسة. فبصلاتكم ودعائكم، وبإيماننا بحقنا ووطننا، باقون هنا، أبناء الرجاء. وأبناء القيامة. باقون هنا. نور الشرق ومنارته وملح أرضه. وباقون هنا، رسل محبة وخير.
فمنذ البداية وحتى النهاية، نحن تلاميذ من أوصانا ألا نخاف. وأن نثق به. لأنه بمحبته وسلامه غلب العالم.
ونحن شهود على ذلك وعاملون لتحقيقه”.



