مقالات
ســوريــــــا والاحـتــــــلالات الــمُـــقــنّــعـــــــــة..!

خاص “المدارنت”..
لم تكن الحروب التي نشأت في سوريا، منذ 2011، تهدف الى تحقيق الحرِّيَّة والعيش الكريم للشعب السوريّ، كما يصرِّح جميع من كان لهم يد في استخدام السلاح، وانّما الى تدمير البلاد، وافقار العباد، وتشريدهم، وجعل سوريا بلدًا مفكَّكًا ومُقَسَّمًا وضعيفًا، تتجاذبه القوى الاقليميّة الطامعة والقوى العالميّة المهيمنة.
كان الجميع، من كلّ الفرقاء، كما اثبت سير الأحداث فيما بعد، متهيِّئون لخوض حروب طويلة الأمد، قد أعِدَّ لها المال والسلاح والرجال والتدريب المناسب، والمناخات المحلِّيَّة والاقليميّة والدُوَليّة، ممّا عجّل في سهولة اندلاع المعارك على اوسع نطاق في كلّ المناطق السوريّة، من شرقها الى غربه ومن شمالها الى جنوبها.
لا يمكن لعاقل أن يُبَرِّئ قوى كثيرة، داخل النظام، من الانخراط في هذا المخطَّط الكبير الذي استهدف، وما يزال، تاريخ سوريا وحاضرها ومستقبلها ودورها في الوطن العربيّ والمنطقة. ثمّ لا يمكن لعاقل ومتابع، أيضًا، أن يبرِّئ الميليشيات المذهبيّة، كلّها، من الانخراط في مخطّطات تخريبيّة، مرتبطة بالخارج، في كل بلاد العرب.
كان المشهد، وما يزال، شديد الوضوح: عشرات الميليشيات “الشيعيّة” التابعة لإيران – كمرجعيّة نهائيّة – تقاتل لحماية النظام في الظاهر، وتسعى الى السيطرة على ما تيسّر لها من الأرض السوريّة، ومئات الميليشيات والفصائل “السُنِّيّة”، تقاتل النظام وحلفاءَه حينًا وتقاتل بعضها البعض احيانا، توزّعت مرجعيّانها “المباشرة” بين قطر والسعوديّة وتركيا، مع غموض يلفّ مرجعيّاتها النهائيّة، وميليشات قوميّة كرديّة وتركمانيّة، تقاتل للحصول على اجزاء من شمال شرق وشمال غرب سوريا، من اجل اقامة حكم ذاتيّ او تابع لهذه الدولة المجاورة او تلك.
جيءَ بالمقاتلين من كل أنحاء المعمورة، للقتال الى جانب كل الأطراف المتقاتلة، لجعل سوريا اتونًا تنصهر فيه كل احلام العرب، وآمالهم ومشاريعهم وقِيَمِهم وحاضرهم وماضيهم ومستقبلهم.
كل الدول الغربيّة الكبرى، أميركا وفرنسا وبريطانيا والمانيا، ارسلت تشكيلات قتاليّة، برِّيّة وجوِّيّة وبحريّة، تحت مظلّة “التحالف الدوليّ لمحاربة الإرهاب”، ثمّ تطوّرت الأمور الى دخول روسيا، بدعم صينيّ وموافقة اميركيّة، الى جانب النظام وحلفائه، بكل ثقلها الجوّيّ والبحريّ وخبرائها في المعارك البرِّيّة.
إذن، كان مشهد القوى، يضمّ أميركا والاتّحاد الاوروبّيّ وروسيا وتركيا وايران والسعوديّة وقطر والنظام السوريّ.
امّا السعوديّة وقطر، فقد انسحبتا عسكريًّا من حلبة الصراع، بالتخلّي عن الميليشيات التي كانت تدعمها بالسلاح والمال، والتي كان أحد فصائلها، جند الشام، ويقدّر عددهم بأكثر من 40 الف مقاتل يحاصرون العاصمة دمشق، من جميع مداخلها الشرقيّة والجنوبيّة. وأمّا حضور دول الاتحاد الاوروبّيّ فهو تحت عباءة أميركا.
انتهى المشهد، أخيرًا، الى سيطرة روسيا وتركيا وايران وأميركا والنظام على الأرض – كلٌّ في أماكن محدّدة ومتوافق عليها.
تبقى تفاصيل الاتّفاق النهائيّ بين جميع الأطراف، والتي يُكتَبُ معظمها في محادثات الاتفاق النوويّ الايرانيّ، في “فيينّا”، الذي سيضع خارطة النفوذ والسيطرة في المنطقة كلِّها.
سوريا القادمة، ستكون تحت هيمنة إيران وتركيا وروسيا واميركا، بسياساتها وقراراتها ومواردها، من دون ان ينتقصَ ذلك ذرّة واحدة من نصيب المشروع الصهيونيّ، الذي كبُرَت أسهم نجاحه كثيرًا، نتيجة حروب السنوات العشر الماضية في سوريا وليبيا والعراق واليمن وتداعياتها على العرب.
أمّا النظام، فسيكون تحت مظلّة كلّ هؤلاء الذين يقاتلونه، والذين يحمونه – على حدّ سواء – وسيكون نفوذ السوريّين في بلادهم، استمرارًا في التسلُّط على بعضهم البعض، وسيكون الشعب السوريّ، هو الضحيّة الكبرى من ضمن ضحايا المشروع العربيّ، الذي يتوه في الأودية والبراري، باحثًا عن ملجأ وعن قرار!
=====================



