مقالات

سُنّة لبنان والتطبيع مع “إسرائيل”: معادلة الرفض الواقعي والسلام المؤجَّل

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”

لا يمكن فهم موقف سنّة لبنان من مسألة الصلح أو التطبيع مع إسرائيل بوصفه موقفًا ثابتًا أو أحادي البنية. فهو يتشكّل، في جوهره، داخل تقاطع معقّد بين التحولات الإقليمية العميقة، وإكراهات النظام السياسي اللبناني، وإرث طويل من الارتباط بالفضاء العربي. ومن هنا، لا يبدو هذا الموقف تعبيرًا أيديولوجيًا صلبًا بقدر ما هو نتاج توازنات دقيقة بين ضرورات الداخل وحدود الخارج، وبين الذاكرة السياسية والوقائع المتغيرة.

تسعى هذه المقاربة إلى تفكيك هذا الموقف باعتباره بنية مركّبة: ترفض التطبيع المنفرد مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا تغلق نظريًا باب التسوية الشاملة ضمن إطار عربي. وهو موقف يتغذّى من مصادر متعددة: سياسية، دينية، اجتماعية، ومؤسساتية، تتداخل جميعها في تشكيل سلوك سياسي أقرب إلى “إدارة التوازن” منه إلى الانحياز الأيديولوجي الحاد.

جذور الموقف: من الإجماع العربي إلى الواقعية اللبنانية

ارتبط الوعي السياسي السني في لبنان تاريخيًا بالفضاء العربي، حيث شكّلت القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا في تحديد الهوية السياسية. لم تُقرأ هذه القضية كملف خارجي فحسب، بل كجزء من الانتماء السياسي والأخلاقي العام داخل النظام العربي.

ضمن هذا السياق، تبلور موقف يقوم على رفض التطبيع المنفرد مع إسرائيل، مقابل الإبقاء على خيار التسوية الشاملة مفتوحًا. وقد انعكس هذا التوجه بوضوح في مقاربة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، الذي قدّم معادلة سياسية واضحة: لا سلام لبنانيًا خارج الإطار العربي، ولا تجاوز للمسار الفلسطيني كمدخل لأي تسوية.

إلى جانب المرجعية السياسية، برز أيضًا بعد ديني-مؤسساتي أساسي. فقد لعبت دار الفتوى في لبنان دورًا في ترسيخ هذا التوازن، عبر مواقف متتالية لمفتين متعاقبين، من بينهم الشيخ حسن خالد، وصولًا إلى المفتي عبد اللطيف دريان، الذي عبّر في محطات متعددة عن رفض التطبيع المنفرد، مع التأكيد في الوقت نفسه على أولوية الدولة اللبنانية ومؤسساتها في إدارة أي مسار تفاوضي. وفي مواقفه الأخيرة، شدد دريان على خيار التفاوض الدبلوماسي لإنهاء الحرب ضمن إطار الدولة، وربط أي مسار تفاوضي بوقف العدوان والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية، بما يعكس منطق “التسوية عبر الدولة” لا عبر القفز فوقها.

مبادرة بيروت 2002: تثبيت الإطار العربي للتسوية

شكّل انعقاد قمة جامعة الدول العربية في بيروت عام 2002 محطة مفصلية، حيث جرى إقرار مبادرة السلام العربية التي قدّمها الملك عبد الله بن عبد العزيز.

وقد قامت هذه المبادرة على معادلة واضحة: انسحاب إسرائيلي شامل من الأراضي العربية المحتلة مقابل تطبيع العلاقات ضمن تسوية نهائية تشمل الدولة الفلسطينية وحل قضية اللاجئين.

موافقة لبنان على هذه المبادرة لم تكن تفصيلًا سياسيًا، بل شكلت تثبيتًا رسميًا لخيار “السلام الشامل” كإطار وحيد مقبول، مقابل رفض أي تطبيع منفرد. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المبادرة مرجعية سياسية ثابتة، انعكست بوضوح على المزاج السني اللبناني، الذي وجد فيها صياغة متوازنة بين الواقعية السياسية والالتزام العربي.

ما بعد 2005: انتقال مركز الثقل السياسي

مثّل عام 2005 نقطة تحوّل في البنية السياسية الداخلية. فمع تصاعد التوترات الداخلية وصعود نفوذ حزب الله، انتقل مركز الاهتمام في الخطاب السني من الصراع الخارجي مع إسرائيل إلى الصراع حول الدولة ومؤسساتها والسلاح غير الرسمي.

هذا التحول لم يُلغِ الموقف من إسرائيل، لكنه أعاد ترتيب الأولويات. فبدل أن تكون إسرائيل التهديد المركزي، أصبح النقاش يتمحور حول طبيعة الدولة اللبنانية نفسها وقدرتها على احتكار القرار السيادي. ونتيجة لذلك، تراجعت مركزية المواجهة مع إسرائيل في الخطاب السياسي، من دون أن يرافق ذلك أي تحوّل نحو قبول التطبيع.

وفي هذا السياق، برزت مواقف عملية تعكس واقعية سياسية غير معلنة. فلم تصدر اعتراضات سنية جذرية على ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل عام 2022 عبر وساطة أميركية، رغم أن الاتفاق وقّعته حكومة يرأسها سني وتضم وزراء سنة ايضاً. كما لم يثر الموقف السني إشكالات حول استمرار العمل باتفاقية الهدنة العامة لعام 1949 أو التعاون مع قوات اليونيفيل. هذه الوقائع تكشف تمييزًا عمليًا بين رفض الاعتراف السياسي من جهة، وإدارة الوقائع القائمة من جهة أخرى.

العامل الإيراني وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية

لا يمكن فهم تطور الموقف السني دون إدخال العامل الإيراني بوصفه عنصرًا بنيويًا في المعادلة الإقليمية. فقد أسهم تمدد النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية، بما فيها لبنان وسوريا والعراق واليمن، في إعادة تعريف مفهوم التهديد داخل الوعي السياسي السني.

هذا التمدد، وما رافقه من توترات إقليمية متصاعدة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، أسهم في تعقيد المشهد الأمني الإقليمي، بما في ذلك انعكاساته على دول الخليج العربي. ومع ذلك، فإن هذا التعقيد لم يؤدِّ إلى تحول نحو التطبيع، بل إلى تعزيز منطق التحفظ وإدارة التوازن.

تعددية داخلية لا اختزالية

البيئة السنية في لبنان ليست كتلة واحدة، بل طيف واسع يتوزع بين تيارات متمايزة:

* تيارات إسلامية ترى الصراع مع إسرائيل في إطار عقائدي، وترفض التطبيع مبدئيًا.
* تيارات قومية تعتبره صراعًا تحرريًا عربيًا ضد مشروع استيطاني.
* نخب سياسية واقتصادية براغماتية تركز على الاستقرار، وتلتزم بالرفض العلني مع انفتاح عملي محدود.
* شريحة شعبية واسعة تحمل تعاطفًا وجدانيًا مع الفلسطينيين دون تبنّي أيديولوجيا منظمة.

ورغم هذا التعدد، يلتقي معظم هذا الطيف عند قاعدة مشتركة: رفض التطبيع المنفرد مع إسرائيل، مع قبول ضمني بإدارة الوقائع القائمة عندما تفرضها الضرورات العملية.

اتفاقيات إبراهيم: تفكك الإجماع واختبار الموقف

مثّلت اتفاقيات إبراهيم اختبارًا مهمًا بعد تراجع الإجماع العربي التقليدي. غير أن البيئة السنية في لبنان لم تنخرط في مسار التطبيع، بل اختارت موقع المراقبة الحذرة. التزم الخطاب السياسي والديني العلني برفض التطبيع، بما في ذلك مواقف دار الفتوى، مع تجنّب الاصطدام بالدول العربية الموقّعة.

هذا التوازن يعكس حالة ترقّب لا تحوّلًا في البنية الفكرية. فالتطبيع العربي لم يُترجم لبنانيًا إلى تغيير في الموقف، بل إلى مزيد من التمسك بخيار عدم الانفراد، تفاديًا لاختلال التوازنات الداخلية.

ويبقى السؤال المفتوح: ماذا لو طبّعت السعودية مستقبلًا مع إسرائيل؟ في هذه الحالة يمكن توقع انقسام داخلي حاد بين من يعتبر أن ذلك يزيل الغطاء العربي عن الرفض، وبين من يرى أن خصوصية لبنان تمنع التطبيع مهما تغيّرت البيئة الإقليمية.

خاتمة: توازن هش في بيئة إقليمية متحركة

يقف الموقف السني اللبناني اليوم عند حدود دقيقة بين ثلاث دوائر متداخلة: الإرث العربي الرافض للتطبيع المنفرد، والواقع اللبناني الداخلي الذي يفرض إدارة التوازنات، والتحولات الإقليمية التي تعيد رسم خرائط النفوذ والصراع.

وفي ظل هذا التشابك، لا يبدو هذا الموقف مرشحًا لتحول جذري سريع، بقدر ما يبدو في حالة إعادة تكيّف مستمرة مع بيئة غير مستقرة. إنه موقف يقوم على إدارة المخاطر أكثر مما يقوم على الحسم، وعلى تجنّب الانفجار أكثر مما يقوم على رسم تسوية نهائية. ويبقى سيناريو التحولات العربية الكبرى هو العامل الأكثر قدرة على اختبار هشاشة هذا التوازن أو تماسكه، إذ إن أي تبدّل في المرجعية الإقليمية لا يعيد فقط صياغة السياسة، بل يعيد تعريف حدود الممكن والممنوع في الخطاب السياسي اللبناني نفسه.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى