مقالات

“طالبان” وأفغانستان.. ولعبة الأميركان..!

أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
كانت أفغانستان، قديمًا، جزءًا من الأمبراطوريّة الفارسيّة، ثمّ جزءًا من الدولة العربيّة الاسلاميّة. أمّا في العصر الحديث، فقد تعرّضت لاحتلالات عديدة، منها البريطانيّ والسوفياتيّ والاميركيّ، ولحروب أهليّة متعدِّدة أثقلت كاهل الشعب الأفغانيّ، ووضعت البلاد في دوّامة الفقر والجهل والتخلّف.
شهدت البلاد الافغانيّة، أشرس واقسى المعارك والخراب المستمرّ، منذ أن استولى الشيوعيّون على الحكم عام 1978، ودخول القوّات السوفياتيّة لمساعدتهم عام 1979، ثمّ نشوء المقاومة الأفغانيّة، التي تشعّبت فيما بعد بدخول بعض الجماعات “الاسلاميّة”، التي أنشأتها الولايات المتّحدة الأميركيّة، بتمويل خليجيٍ عربيّ، والآلاف من الشباب العرب المتحمِّسين لقتال الشيوعيّة “الكافرة”.
هذه الجماعات والتنظيمات “الاسلاميّة”، الكثيرة والمتشَعِّبَة، قاتلت السوفيات “الكفَرَة”، بعقيدة جهاديّة، لم يكن يعلم أفرادُها أنّهم يخدمون المصالح الحيويّة لأميركا وحلفائها، وانّ دورهم سينتهي حال انتهاء المهمّات المرسومة لهم. لذلك، عندما فكّروا في اقامة “امارتِهِم الاسلاميّة”، جاء الردّ الأميركيّ، صاعقًا لعشرين سنة من التدمير والتهجير والاحتلال، ثمّ المفاوضات والاستيعاب والاحتواء وعقد الصفقات.
بهذه الخطوة، ضمِنَت الولايات المتحدة الأميركيّة، إشغال الإتحاد السوفياتيّ، واستنزاف جيشه في أقسى بقاع الأرض، جغرافيًّا وبشريًّا، من ناحية، وابعاد عشرات الآلاف من المقاتلين العرب، وشدّ انتباه اجيال بكاملها بعيدًا عن أرض المعركة الحقيقيّة، ضدّ المشروع الصهيونيّ في فلسطين، من ناحية أخرى.
قامت أميركا، وحلفاؤها، بإعداد المقاتلين، وامدادهم بالسلاح والذخائر، بينما تكفّلت بعض دول نفط الخليج العربيّ، بالتمويل الكامل واللازم، لكلّ ما تتطلّبه العمليّات الحربيّة من الإعداد والتسليح، والامداد بالذخائر، ومقوِّمات خوض المعارك، ضدّ الترسانة العسكريّة السوفياتيّة الهائلة.
انهزم الجيش السوفياتيّ، بين عامي 1988 و1989، وانسحب من أفغانستان، تاركًا وراءه بلادًا يتصارع أهلها فيما بينهم، من خلال الفصائل التي كانت تقاوم وتقاتل ذلك الجيش الجرّار، الى ان انتهى الأمر، بشكل فجائيّ، بظهور منظّمة “طالبان”، عام 1994، بقيادة “المُلّا عمر”، التي حكمت البلاد حتّى عام 2001، حيث أسقطها الغزو الأميركيّ، على أثر هجمات الحادي عشر من أيلول، التي نفّذها أفراد تابعون لتنظيم “القاعدة”، بواسطة طائرات ركّاب مدنيّة، دمّرت أبراجًا ومنشآت عدّة في نيويورك وغيرها.
استمرّت الجولة الأخيرة من الحرب في أفغانستان، لعشرين سنة، شهدت السنوات الأخيرة منها جولات عديدة من المفاوضات بين أميركا وطالبان، في قطر، انتهت بالاتّفاق على انسحاب الجيش الأميركيّ من أفغانستان، بترتيبات تفصيليّة صاغها المتفاوضون على مدى سنوات، وتمّ تنفيذها بدقّة، تدلّ على تطوُّر العمل المسرحيّ الميدانيّ المتناغم مع العمل المسرحيّ السياسيّ والاعلاميّ، المُشبَع بالتطوُّر التكنولوجيّ المتنامي في التفوُّق والازدهار!
انتصرت طالبان، بعد انسحاب الجيش الأميركيّ، وانهيار جيش أفغانيّ، مؤلَّف من 300 ألف جنديّ وضابط، مدرّب ومسلّح بمعدّآت أميركيّة حديثة، بسرعة البرق، وتصرّفت بمنتهى الأدب واللياقة والذوق الرفيع مع قوّات “الاحتلال”، التي عاثت قصفًا وتدميرًا وتهجيرًا في طول أفغانستان وعرضها!
تمّ اعادة إنزال حوالي ستّة آلاف جنديّ أميركيّ، “على عَينك يا تاجِر”، على مرأى قريب من طالبان، لإجلاء الآلاف من الموظّفين المدنيّين الأجانب، وآلاف الأفغان الهاربين من ماضيهم، او المُفتِّشين عن حياة أخرى مُغتنِمين فرصة النزوح الأخيرة.
أفغانستان، هذه، التي نتحدّث حولها، غنيّة جدًّا بالموارد الطبيعيّة من المعادن المتنوِّعة والكبيرة، التي ستختاجها الصناعات الأميركيّة الجديدة والمتطوّرة في عشرات السنين القادمة.
سوف يتكشّف للمحلِّلين والمراقبين، والناس أجمعين، في الأشهر والسنوات القليلة القادمة، انّ ما حصل على المسرح الأفغانيّ، في الأسبوعين الماضيَين، ليس الّا لعبة أميركيّة جديدة، عصريّة ومتطوِّرة جدًّا، تتناسَب مع التوجُّه الأميركيّ الجديد، في طرح جيل جديد من الحروب، ربّما يطلقون عليه “الجيل السادس”، يتضمّن احتواء الأعداء والخصوم في عملِيَّةٍ “بِزنِسِيَّة” سياسيّة/ أمنيّة، تكون من أجود السِلَع التي ستكتسِحُ الأسواق المحلِّيّة والاقليميّة والعالميّة!
======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى