“طوفان الأقصى” و”حرب الإبادة”.. الإنجاز والتقدير والمسؤولية

“المدارنت”
ثلاث سنوات انقضت على العملية الاستراتيجية الفارقة التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في عمق الكيان الإسرائيلي باسم “طوفان الأقصى”، ولا شك أنها كانت نوعيًا عملية غير مسبوقة، فقد مثلت هجوما صاعقا “بريًا وبحريًا وجويًا” نفذه مئات من المقاومين والمجاهدين بما توفرت لديهم من أدوات وأسلحة، استهدف داخل الكيان الإسرائيلي، وأسفر عن مقتل مئات الإسرائيليين والعودة بعشرات الأسرى من الجنود والمدنيين من المستوطنين ونظرائهم، وفتح بوابة لحرب إسرائيلية/ أمريكية على المقاومة الفلسطينية وقطاع غزة وعلى الفلسطينيين جميعا، حربا أقل ما توصف به أنها حرب إبادة لم تتوقف حتى الآن. وارتكبت فيها قوات الاحتلال، وما تزال، جرائم حرب لا نجد مثيلا لها ولا في الحرب العالمية الثانية.
ولأن لهذه العملية هذا الطابع الخاص فإن الموقف منها بات موقفا فارقا أيضا، يختزن في عمقه موقفا من المقاومة وحقها ومشروعها، ومن الانتماء للإنسان وحقه في الحياة والسلام والوطن.
وأنا أنتمي إلى جيل وتيار يرى ويلتزم حق المقاومة في مواجهة قوى الاحتلال، وفي التصدي له بكل الأشكال المتاحة، ويتعزز هذا الحق كلما ازداد إنكار العدو للحقوق الوطنية الطبيعية التي تعبر عن حق الشعب في وطنه وأرضه، أو حتى تلك التي أقرها القانون الدولي من حقوق له. ونرى أن واجبنا الوطني والقومي والديني والإنساني يفرض علينا تعزيز جهود المقاومة لاسترجاع الوطن، والأرض، والتاريخ، والانتماء.
ومن هذه الزاوية يتحول عندنا الموقف من فلسطين والمقاومة والجهاد إلى معيار أساسي من معايير رؤيتنا وتقييمنا للأفراد والجماعات، والحكومات، والأفكار، والمواقف.
ومن هذا الالتزام فإن ما يطلب من المقاومة، وما يمكن أن تحاسب عليه، هو جدية العمل المقاوم: جدية التحضير لكل عمل تقوم به، وجدية الاستعداد والتهيئة وتوفير الظروف التي يستدعيها هذا العمل ذاتيا، وعبر المحيط الوطني، والقومي، والإقليمي، وكل ذلك في حدود الممكن والمتاح.
والحق أن المتابع والمدقق في مسار عملية “طوفان الأقصى” لابد ـ إن كان صادقاـ أن يذهل من التحضير الدقيق والمتقن لهذه العملية، وأن يذهل أيضا من البعد الاستراتيجي في رؤية قيادة العملية لمداها، ولما يحتاجه المقاتل وهو يخوضها، وبالتالي لابد أن يخرج بتقدير عالي المستوى للعقل القيادي الذي قاد ونفذ “طوفان الأقصى”.

لا يوصف إلا بـ”العمل العبقري” حين يشمل التخطيط لهذه العملية: تأمين الاحتياجات اللوجستية من عتاد، وغذاء، واحتياجات طبية، وقدرة على التواصل والتنقل مدة تغطي ثمانية شهور من العمليات القتالية، وأنفاقا وممرات تحت مدينة وقطاع غزة لتتجاوز 700 كيلو متر، فيما مساحة القطاع لا تتعدى 365 كيلو متر مربعا، وبما يوفر للمقاومة قدرة غير معهودة على التنقل والمناورة في العمليات القتالية التكتيكية.
ولا يوصف إلا بـ”البنيان المرصوص” ما قامت به المقاومة على مدى فترة طويلة؛ لتأمين مستويات وطبقات من القيادات قادرة على الإحلال المتوازن، مهما نال العدو منها، صحيح كانت خسارة أي قائد ميداني، بدءا من يحيى السنوار، ومحمد الضيف، ومروان عيسى، وعز الدين الحداد، وأبو عبيدة، ورفاقهم من قادة الألوية والهيئات الإسناد والدعم، ونظرائهم من حركة الجهاد الإسلامي من أمثال: أشرف عدنان الخطيب، وعلاء عبد الناصر الخضري، ثائر جلال صالح، وهؤلاء جميعا غيض من فيض من الشهداء القادة…
كانت خسائر مؤلمة ومؤثرة، لكنها أثبتت أن المقاومة أعدت للمعركة عدتها على المستوى البشري من القادة والمسؤولين الميدانيين، فكانت بهذا التجهيز قادرة دوما على تقديم البدائل، وكان هؤلاء القادة الجدد يثبتون منذ اللحظة الأولى أنهم أهل لتسلم موقع القيادة، وللقيام بأعبائها.
هذا هو الإعداد الحقيقي المسؤول للمعركة، ولا أعتقد أن شيئا كان ينقص هذا الإعداد، على مختلف المستويات، حتى ليصح وصفه بـ”الإعداد الكامل” أو “النموذجي”.
وإذ جاء أداء المقاومة عظيما، فإن أداء الشعب الفلسطيني كله، وفي غزة خصوصا، كان ينافس ويسابق عظمة أداء المقاومين، لقد شهدنا في غزة “خنساوات”، لا مثيل لهن، وشهدنا أطفالا ومدنيين صغارا وكبارا يسيرون في ركب الشهادة، ويظهرون من الصبر، والتشبث بالأرض، والكرامة، ما تحير فيه العقول، وعلى نحو هز ضمير العالم، أكثر من 74 ألف شهيد، وأكثر من 175 ألف مصاب، إضافة إلى آلاف المفقودين. فكان هؤلاء جميعا ينافسون المجاهدين في صمودهم، وفي عطائهم، وفي تأثيرهم.
لقد أحدث هذا المشهد الذي لم ينقطع تغييرا وتبدلا في ضمير العالم ما كان متوقعا من قبل، وظهرت بوادر جدية لاستقلال هذا الضمير وانفصاله عن آلة الدعاية الصهيونية التي اختطفته منذ زمن بعيد، وبدأ هذا المشهد يهز بقوة معقل الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة، وفي دول وعواصم غربية عديدة.
وحين نرصد موقف “حزب الخضر البريطاني” الذي أعاد تصنيف الحركة الصهيونية باعتبارها شكلا من أشكال العنصرية ـ وهو تصنيف سبق أن اعتمدته الأمم المتحدة بقرار صدر عام 1974، قبل أن تفرض الولايات المتحدة إلغاء ذلك القرار عام 1991ـ فإننا ندرك عمق التغيير الذي أحدثته عملية “طوفان الأقصى” في المجتمع الدولي.
وحين نجمع أداء المقاومة إعدادا وتنفيذا مع أداء الشعب الفلسطيني تضحية، وصبرا وثباتا، وتمسكا بالحق، فإن النتيجة الوحيدة الصادقة أننا في “طوفان الأقصى” نقف أمام إنجاز قتالي وشعبي لا مثيل له في تاريخ الصراع العربي الصهيوني.
نحن مع هذا الإنجاز، مع شعبه وقضيته ورجاله وشهدائه، وإذ نشعر بالاعتزاز إزاء موقف الضمير الإنساني، وموقف قوى وقيادات سياسية في دول كثيرة من العالم، فإننا في الوقت نفسه نشعر بالخزي والخذلان إزاء موقف النظام العربي الرسمي الذي ألقى بظلاله الكئيبة على الموقف الشعبي حتى كدنا نفتقد هذا الموقف في هذه المعركة المجيدة التي لم تتوقف بعد.
وإذ نصف عملية “طوفان الأقصى”، بأنها إنجاز غير مسبوق، ونصف العقل الذي خطط لها، وهيأ لها احتياجاتها، وقادها، بأنه كان عقلا قياديا مذهلا، فلا بد أن نقف على العثرات والثغرات التي ظهرت في مسار هذه العملية، والتي أسفرت عن هذا الحجم من الخسائر، وعن دخول المقاومة والشعب الفلسطيني في مرحلة جديدة تستدعي تفكرا وإبداعا مقاوما من نوع جديد.
وسيبقى البحث في هذه العثرات والثغرات يشغل فكر المقاومة، ومن يلتزمها لوقت طويل، ومما لا شك فيه أن حجم الخذلان العربي ـ وكان كثير منه متوقعا ـ كان له أثر في هذه النتيجة التي لا تتناسب أبدا مع عظمة ذلك الإنجاز، لكن لا يمكن اعتباره السبب، ولا يمكن الاستناد إليه في تفسير الوصول إلى هذا الوضع الجديد.
أنا أدعو إلى التفكر في شعار دور شعار أو مفهوم” “حرب الإسناد” الذي بات بديلا لشعار ومفهوم: “وحدة الساحات” الذي نفذت المقاومة في ظلاله عملية “طوفان الأقصى”.
لقد حمل هذا البديل والتحول رسالة بالغة الخطورة للطرف المعتدي بأن أطراف “محور المقاومة” قد تحللوا من التزامهم بدخول المعركة موحدين، وأن دور هذه الأطراف لن يتعدى حدودا معينة. وقد فهمت قوى العدوان هذه “الرسالة الانهزامية” وتصرفت وفق دلالاتها.
لنسأل أنفسنا سؤالا محددا ولنحاول الإجابة عليه؟
ماذا كان يمكن أن يكون الوضع عليه لو دخلت أطراف ” محور المقاومة” المعركةَ معا بالتزامن مع اللحظة التي تقاطرت فيها القوى الغربية إلى مناصرة الكيان الصهيوني أثناء عملية الطوفان… وأطراف محور المقاومة تملك من الأسلحة والعتاد والموقع والتأثير ما لا يمكن إنكاره؟
هل كانت الحرب ستستمر كل هذه الفترة؟
هل كان عدد الضحايا من القادة والمقاتلين والمدنيين في الساحات الثلاثة الفلسطينية واللبنانية والإيرانية سيصل إلى ما وصل إليه؟
هل كان المحيط الإقليمي والدولي سيتحمل حربا تشغل هذا الاتساع الجغرافي والزمني؟
بالتأكيد فإن الإجابة الجادة على هذه التساؤلات ستغير الصورة تغييرا فعليا، وبالتأكيد فإن جهودا مثمرة كانت ستبذل من قوى عديدة للوصول إلى وقف سريع للقتال، فما من أحد يستطيع أن يتحمل وضعا كهذا، وكنا سنشهد تسوية معينة تفتح مرحلة جديدة في تطور القضية الفلسطينية والوضع في هذه المرحلة.
وهذا التساؤل يفتح المجال لتساؤل أكثر دقة وتأثيرا يخص أسباب التحول من شعار: “وحدة الساحات” إلى شعار: “حرب الإسناد”، أو لنقل بدقة وحسم التحول من شعار المشاركة الشاملة إلى واقع الامتناع عنها.
لا شك أن القرار في التحول عن شعار وحدة الساحات كان قرار النظام الإيراني، وأنه اُتخذ لمصلحة ذلك النظام، أو هكذا اعتقد من فرضه، وأنه تم إلزام أطراف “محور المقاومة ” به.
ويبدو أن “أحدا ما” اقنع أصحاب القرار في طهران بأن من شأن هذا التحول أن يبقي النظام الإيراني خارج “المقصلة”، ويبدو أيضا أن أحدا ما اقنع نظام الملالي بأن تأثر حزب الله في لبنان بهذه الحرب سيكون محدودا، أو رمزيا. أم من قبيل الخسائر المقبولة.

لقد وقعت طهران بهذه المصيدة “الغربية/ الإسرائيلية”، ولم يكن وقوعها في هذه المصيدة إلا بسبب أن ” التزامها ” بفلسطين، وبالمقاومة لم يكن التزاما أصيلا، ثابتا، وإنما كان التزام “مصلحة، ودور، وتنافس”، خدمة لنظام ولاية الفقيه، وتصوره لدوره ومكانته في المنطقة، وحينما وقع في ظنها أن التحول عن شعار: “وحدة الساحات” سيحمي هذا النظام جاء التحول سريعا وحاسما، وهنا صدق فيها المثل العربي المعروف” أُكلت يوم أكل الثور الأبيض”.
وقد يذهب البعض إلى القول: إنه كان على المقاومة الفلسطينية، على قوى الجهاد الفلسطينية، أن تتحسب وتحذر من صدق “نظام ولاية الفقيه” في الالتزام بالقضية الفلسطينية، والالتزام بالمقاومة، ويشير هذا البعض إلى وضوح تورط هذا نظام في بث الفكر الطائفي والجرائم التي قام بها في سوريا والعراق واليمن، وأن هذه الجرائم كانت كافية لكشف طبيعة هذا النظام، لكن يجب أن نعترف أيضا بأن حصار النظام العربي للمقاومة الفلسطينية، وتفريطه المتسارع بالقضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني قد وضع قوى المقاومة في موضع لا تحسد عليه. وجردها من كل خياراتها.
في ذكرى “طوفان الأقصى” التحية والتقدير والاعتزاز لنهج المقاومة ولمنظماتها، ورجالاتها، وشهدائها.
والتحية والتقدير للشعب الفلسطيني، ولأهل غزة العزة، الذين عبروا بحق عن الضمير الوطني والقومي والديني للأمة كلها.
والتحية والتقدير لكل من انتصر للحق في فلسطين وغزة، في كل بقاع العالم وأدان العدوانية الإسرائيلية والصهيونية وجرائمها ضد الشعب الفلسطيني.



