مقالات

عبد الناصر وتجربة الطليعة العربية

جمال عبد الناصر
كتب د مخلص الصيادي/ سوريا

خاص “المدارنت”
أرجح أن تكون الحركة الشعبية العربية الواسعة التي ولدت ردا على جريمة انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة في 28 ايلول 1961، والتي أذنت بظهور “التيار الناصرية” على الساحة العربية عموما، وكذلك فشل إقامة دولة عربية موحدة جديدة عام 1963 تجمع بين سوريا ومصر والعراق، بسبب مناورات حزب البعث الذي شاركَ الناصريين في الانقلاب على الحكم الانفصالي في سوريا في 8 آذار 1963، وشاركَهم في الانقلاب على حكم عبد الكريم قاسم في العراق، قبل ذلك بشهر، أي في 8 شباط 1963.
أرجح أن هذين الحدثين كانا بمثابة جرس الانذار للرئيس عبد الناصر، بضرورة التعجيل حتى يكون للحركة الناصرية تنظيمها القومي الخاص. وأن افتقادها لهذا التنظيم كان وراء إهدار طاقاتها في سوريا والعراق، والسماح لقوى حزبية وطائفية مستبدة أن تعوّق استعادة الحركة الوحدوية لزخمها الذي أثمر في العام 1958 ولادة الجمهورية العربية المتحدة.
ولا شك أن في عمق تفكير جمال عبد الناصر، كان الإيمان بمسؤولية مصر القومية الرائدة تجاه أمتها، وبأهمية العمل التنظيمي لتحقيق أي انجاز ثوري.
وقد ظهر هذا الايمان جليا في “فلسفة الثورة” حين تحدث عبد الناصر عن الدور الهائم الذي يدق أبواب مصر، والمسؤولية التي تبحث عمن يقوم بها، وفي عمق تفكيره أن الاعتماد الرئيس يجب أن يكون على الشعب الذي وصفه بـ”المعلم”، وأن هذا الشعب هو ضمانة الثورة، صناعة وحماية.
وكان هذا الفكر القومي الحركي لجمال عبد الناصر، موجها رئيسيا للثورة في تفاعلها مع حركة التحرر العربية، وفي هذا السياق، جاء قرار دعم ثورة الجزائر، والجهود التي بذلت في العام 1954 لبناء حركة تحرير عربية موحدة تشمل المغرب العربي كله، وتواكب انطلاق ثورة الجزائر قد أثمرت في حينها عن توقيع ما عرف بـ”ميثاق لجنة تحرير المغرب العربي”، لكن لظروف مختلفة بعضها خصّ وجوه وقادة المعارضة في أقطار المغرب العربي، وبعضها لعوامل موضوعية، لم تعط هذه اللجنة ثمارها المرجوة.
وكانت عمليات الاستطلاع التي قام بها رجالات الثورة في مختلف الأقاليم والساحات العربية في وقت مبكر جدا، واستهدفت التعرف على الأوضاع الشعبية، وقياس مدى تجاوب الشارع العربي مع أهداف الثورة، خلصت كلها إلى النتيجة نفسها.
وفي المرحلة التي تلت حدثيّ “الانفصال، وفشل الوحدة الثلاثية”، كتب عدد من المفكرين العرب في أهمية وضرورة دور مصر في قيادة الثورة العربية. وفي أهمية ودور التنظيم القومي في تحقيق أهداف الثورة على مستوى الأمة. وقدم هؤلاء المفكرون نظرياتهم ورؤاهم في هذا الجانب.
وكان عبد الناصر في فترة مباحثات الوحدة الثلاثية، حاور عددا من السياسيين العرب في السبيل لإنشاء تنظيم قومي، وكان ممن حاورهم، وعلى مدى أربع جلسات، الأستاذ أديب النحوي (القيادي والسياسي السوري البارز)، ويُنقل عن النحوي قوله إن جمال عبد الناصر كلفه بالسفر إلى الجزائر لمحاورة الرئيس (الجزائري) “أحمد بن بيلا” في هذه المسألة، لكن السفر لم يتم بسبب تطورات الوضع في سوريا على خلفية اتجاه البعث للاستئثار بالحكم في دمشق، عقب صدور ميثاق الوحدة الثلاثية في 17 نيسان/ “ابريل” 1963، والمخاطر التي باتت تحيط بالوضع في دمشق.
كما بحث عبد الناصر الأمر نفسه مع عبد الله الريماوي في لقاء جمعهما في أعقاب انعقاد المؤتمر الوطني الفلسطيني في القدس في “يونيو” 1964. وقدم الدكتور عصمت سيف الدولة في العام 1965، كتابه: “أسس الاشتراكية العربية”، المتضمن بحثا مطولا عن الطليعة العربية.
وهناك روايات عديدة عن جهود بذلها عبد الناصر على مستوى المفكرين القوميين للوصول إلى مشروع ميثاق قومي للحركة العربية الواحدة، ومن الروايات في هذا السياق ما ذكره باسل الكبيسي من أن “حركة القوميين العرب” طرحت على عبد الناصر عام 1964، فكرة وضع برنامج طموح يهدف إلى خلق حركة عربية اشتراكية جديدة.
في خضم هذا الحراك العملي والنظري، اتخذ جمال عبد الناصر قراره بالبدء في مسيرة إنشاء “الحركة العربية الواحدة” كتنظيم قومي يعبر عن الثورة العربية في حلتها الجديدة، وقد أشار إلى هذا التطور الحركي حينما قال في الخامس من مارس 1966، خلال لقائه عددا من الشخصيات العربية أنه بدأ بالفعل هذا المشوار، وكشف في هذا واللقاء ملمحين لهذا التنظيم الذي بدأه:
* الملمح الأول، أن البداية كانت من القطاع الطلابي، ومصر كانت تعج في ذلك الوقت بالطلاب العرب.
* والملمح الثاني أن هذه الحركة يجب أن تكون سرية.
وفي رؤيته أنه بعد عشر سنوات سنجد هؤلاء الطلاب وقد باتوا قادة في مجتمعاتهم.
ولهذا الغرض كلف جمال عبد الناصر، أحد أهم المسؤولين عن المفاصل الخطرة في حركة الثورة البحث في هذا المشروع، واستطلاع الطريق الممكن لبناء هذا التنظيم. وبدأ “فتحي الديب” الذي كان يختزن الكثير من المعرفة، والتجربة العملية، والوعي، والإخلاص، حركته في إطار التوجيه العام الذي تلقاه من القائد، ويقول بعض شهود هذه التجربة أن الديب بدأ بالفعل مفاتحة بعض الشخصيات والزعامات الطلابية الذين رآهم أهلا للمشاركة في هذا المشروع، حتى قبل أن يعطي القائد موافقته على بدء العمل التنظيمي.
في 30 “نوفمبر”/ تشرين الأول 1965، قدم الديب تقريره إلى جمال عبد الناصر بهذا الشأن، متضمنا رؤيته وتوصياته، وقد أشر عبد الناصر على هذا التقرير والتوصيات التي خلص إليها بالموافقة، وكان هذا إيذانا بالبدء رسميا في تجربة بناء “تنظيم قومي” للثورة العربية التي يقودها جمال عبد الناصر.
وتضمن نص مذكرة الديب المرفوعة إلى جمال عبد الناصر، التي أشر عليها قائد الثورة بالموافقة ثماني فقرات جاء فيها:
1/ طبيعة المرحلة التي يمر بها الوطن العربي حاليا تتطلب تحركا سريعا لتنظيم القواعد الشعبية العربية، وتكوين قيادات ملتزمة، وقادرة على تحريك جماهير الشعب العربي..
2/ قد يكون اسم “الطليعة الثورية العربية”، أو “طلائع الثورة العربية”، الاسم المعبر عن دور التنظيم المطلوب البدء في إنشائه..
3/ ولضمان نمو التنظيم المذكور، ولإتاحة الفرصة أمامه ليعم الساحة العربية كلها، أرى ضرورة ممارسته نشاطه من خلال العمل السري الصلب..
4/ قد يكون البدء بقطاع الطلبة هو الطريق الطبيعي، لاتخاذه كنواة للتحرك في مجال لإقامة التنظيم..
5/ أعتقد أن قصر التحرك على المجال الطلابي سوف يثير حساسيات لها خطورتها في المدى البعيد، الأمر الذي يوجب مباشرة التحرك بهدوء على مستوى الساحة العربية، ومن خلال مختلف قواعدها الشعبية، مع التركيز في المرحلة الأولى على قطاع الطلبة العرب في القاهرة، ثم الطلبة العرب في أوروبا وأمريكا..
6/ لا شك أن تنظيما سريا كهذا مطلوب نموه ليغطي الساحة العربية يتطلب إمكانات مادية وبشرية من الضروري توفيرها..
7/ تعاني العناصر الناصرية حساسية واضحة سواء في القطاع الطلابي أم القطاعات الشعبية الأخرى من التحركات الحزبية كحركة القوميين العرب، لذا أعتقد أن تحديد موقفنا من الحركة بصورة نهائية أصبح ضرورة ملحة..
8/ مرفق مشروع لنظام العمل المقترح للتنظيم ولائحته الداخلية، بمجرد التصديق عليه سنمارس تكوين نواة التنظيم في كل من ليبيا وتونس والجزائر والسودان واليمن حيث كنت قمت فعلا بالإجراءات التمهيدية لتقييم العناصر الصالحة للتنظيم.


وبمجرد أن كتب جمال عبد الناصر بخطه على المذكرة كلمة “أوافق”، بدأ فتحي الديب، مطلع ديسمبر 1965، تحركه الرسمي في بناء هذا التنظيم، حيث اختار مساعدين له من ثلاثة عشر شخصًا، يعتبرون من خيرة رجال الفكر والحركة في تلك المرحلة يتقدمهم “حافظ عزيز” الذي صار نائبا للديب، ثم توسع عدد المساعدين ليصل إلى واحد وعشرين فردا، وقد قام هؤلاء في اطار ما عرف بـ”مفوضية القيادة” بنشاط واسع، وفق خطة معتمدة، غطت الأقاليم العربية المستهدفة، وساحات انتشار الطلبة العرب في أوربا، وأسهموا مباشرة في تنظيم العديد من الطلاب والمستهدفين داخل الساحة المصرية والسورية واللبنانية واليمنية والليبية والفلسطينية والساحات الأوربية..
واستقر الرأي على أن يكون اسم التنظيم القومي “الطليعة العربية”، كانت قيادة التنظيم منذ بدء العمل التنظيمي وحتى عام 1969، مقتصرة على المصريّين، وفي ذلك العام جرى تكوين أول قيادة قومية للتنظيم باسم “اللجنة القومية المؤقتة”، عقب لقاء موسع عقد في القاهرة لعدد من الطليعيين، وضمت هذه اللجنة كلا من:
* فتحي الديب مفوض القيادة، “مصر”.
* أحمد صدقي الدجاني “فلسطين”.
* محمد عروق “مصر”.
* أديب الجادر “العراق”.
واستمرت هذه القيادة حتى انقلاب 15 “مايو” 1971 في مصر، حيث زج بمعظم القيادات الناصرية الحركية، ومنهم من كان ينشط في إطار هذا التنظيم بما في ذلك فتحي الديب.
المرحلة هذه من حياة الطليعة العربية، منذ تكليف الديب بالبدء بالتحرك وحتى انقلاب “مايو”، عرفت تنظيميا باسم مرحلة “مفوضية القيادة”، وهي تغطي ست سنوات من حياة هذا التنظيم 1966 ـ 1971. وفي هذه المرحلة لم يكن هناك تنظيم لـ”الطليعة العربية” في ساحة مصر، ولم يتم ربط هذا التنظيم بـ”تنظيم طليعة الاشتراكيين” في مصر، والذي كان بمثابة العمود الفقري داخل “الاتحاد الاشتراكي”، وكانت الصلة بين الجانبين عبر عدد محدود من القيادات المشاركة في عمل التنظيم.
في العام 1972، تداعت قيادات طلائع هذا التنظيم التي صدمت أولا، بالغياب المفاجئ لجمال عبد الناصر في “سبتمبر”: أيلول 1970، وفوجئت ثانية، بانقلاب 15 “مايو” 1971، إلى عقد اجتماع للبحث في شؤون التنظيم، وذلك على هامش الاجتماع التأسيسي لـ”رابطة الطلبة العرب” الذي استضافته ليبيا، وكان الديب قد خرج من السجن في مصر، وصادف وجوده في ليبيا وقت عقد هذا الاجتماع، لكن كان قد أعلن اعتزاله العمل التنظيمي، إلا أن التواصل معه لم ينقطع، وطالب الطليعيون الذين التقوه في طرابلس، ألا يعرضوا أمر التنظيم على العقيد معمر القذافي، الذي كان الديب ينظر إليه باعتباره جزءًا من حركة الشباب الثوري في الوطن العربي، لكنه في الوقت نفسه، لا يرى فيه إمكانية الانضمام الى التنظيم، فهو في رأيه “ليس مع العمل”. وقد اثبتت الأحداث أن هذا الراي صائبًا بلا شك.
وقرر المجتمعون في هذا اللقاء، استئناف النشاط التنظيمي لاستكمال بناء “الطليعة العربية”، واعتبروا لقاءهم في طرابلس، بمثابة “المؤتمر القومي الثاني”، بعد أن صنفوا اللقاء الذي اختيرت فيه “اللجنة القومية المؤقتة” في العام 1969، بأنه “المؤتمر القومي الأول”، كما قرر المجتمعون تكوين “قيادة قومية مؤقتة”، تقود العمل لمدة عام، تقوم خلاله بترتيب أوضاع أعضاء التنظيم في مختلف الساحات العربية، وتدعو في نهايته إلى مؤتمر قومي طبيعي، وضمت هذه القيادة المؤقتة كلا من “أحمد صدقي الدجاني، أديب الجادر، علي غبشة (سوريا)، عباس النور (السودان)، صبحي العاني (سوريا)، وفي نهاية الفترة المحددة عقد المؤتمر القومي الثالث، وقام بوظائفه كاملة، واختيار قيادة قومية جديدة للفترة من العام 1973 ـ 1975، ضمت هذه القيادة كلا من “أحمد صدقي الدجاني، وأديب الجادر، وخالد الناصر (سوريا)، وعبد الرحيم مراد (لبنان)، وعباس النور”، وهكذا صارت المؤتمرات القومية تعقد كل عامين وتنتخب القيادة القومية.
وبتواز مع المؤتمرات القومية، كانت تعقد مؤتمرات لفروع التنظيم في مختلف الأقاليم والساحات التي دخلها التنظيم، وهي بالإضافة إلى مصر كل من سوريا، فلسطين، لبنان، العراق، الكويت، السودان، موريتانيا، الطلبة والمغتربون في أوروبا والولايات المتحدة.
وتتابع توسع التنظيم وامتداده في العديد من الأقطار العربية، وفي كل قيادة جديدة كان أعضاء جدد يدخلون ويخرج آخرون، وكان أعضاء القيادة القومية يتراوح بين خمسة أعضاء وسبعة أعضاء، وفق ما يقدر المؤتمر حاجة التنظيم.
وتغيّر مقر القيادة القومية وفق تغيّر الظروف، فكانت في القاهرة، وطرابلس، وبيروت، وأثينا، وكذلك تغير مكان عقد المؤتمر القومي، وفق كل مرحلة وبلغ عدد المؤتمرات القومية التي عقدها التنظيم ثمانية مؤتمرات، قبل أن تعصف به أزمته الأخيرة التي توقفت على إثرها هذه التجربة.
وعلى امتداد عمر التنظيم جرى تطوير في آليات عمل التنظيم، وفي نظامه الداخلي، بما يتناسب وتغير الظروف، وأنشأت القيادات القومية المتعاقبة برامج ثقافية، وأقامت معاهد تثقيف قومية، وعقدت باسم فروعها الجماهيرية العلنية ندوات ولقاءات فكرية قومية ودولية، خصصت كل منها لموضوع كان يشغل الأمة والتنظيم، واعتمدت فكرة إنشاء تنظيمات جماهيرية تمثل غطاء لحركة فروع التنظيم، وفي مرحلة لاحقة اعتبرت هذه خطوة على طريق إلى علنية التحرك الجماهيري الإقليمي والقومي.
وسعت القيادة القومية إلى استطلاع فكرة إنشاء تجمع جماهيري قومي، وعقدت من أجل ذلك لقاءات ومشاورات مع عدد من وجوه العمل النضالي القومي في مقدمتهم الرئيس أحمد بن بيلا، والفقيه محمد البصري، وقيادات عراقية وخليجية من غير أعضاء التنظيم، وقدمت لاجتماع عقد لهذا الغرض في جنيف عام 1984، في بيت الرئيس بن بيلا، مشروع رؤية سياسية وحركية لبناء هذا التجمع، جاءت تحت عنوان: “بين دلالات الواقع العربي وضرورات المستقبل”.
تاريخ التنظيم امتد منذ العام 1965 حتى العام 1986، أي واحدا وعشرين عاما، منها ستة أعوام قبل انقلاب 15 “مايو” 1971، وخمسة عشر عاما في مرحلة غياب مصر عن دورها ومهمتها القومية، وفي هذه المسيرة خاض تجارب نضالية متنوعة وقدم خلالها العشرات من الشهداء والمئات من المعتقلين بعضهم قضى في سجون النظم السياسية العربية.
وشارك في عضوية القيادة القومية على امتداد هذه الفترة 23 مناضلا من مختلف الأقاليم العربية، وتسلم مسؤولية الأمين العام في التنظيم” كل من: فتحي الديب لست سنوات، وأحمد صدقي الدجاني لأربع سنوات، عبد الرحيم مراد لأربع سنوات، محمد فائق لأربع سنوات.
في نهاية العام 1982، عقد التنظيم مؤتمره القومي السابع في أثينا، بعدما فشلت القيادة في عقده ببيروت، نتيجة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وانتخب المؤتمر قيادة جديدة من سبعة أعضاء “محمد فائق (مصر)، عبد الرحيم مراد، محمد عروق، علي فتال، عبد الهادي ناصيف (مصر)، عبد القدوس المضواحي (اليمن)، مخلص الصيادي (سوريا)، وانتخب فائق أمينا للقيادة القومية، وبذلك ضمت القيادة القومية ثلاثة أعضاء من مصر، وعضوين من سوريا، وعضو من لبنان، وآخر من اليمن، واعتبر المؤتمر بما أنجزه من وثائق، وبما قدمه من رؤى، وثبته من مواقف، وبما خلص إليه من تكليفات ومهام، وبما حضره من ممثلين عن التنظيم، بمثابة نقلة مهمة في مسار العمل، لكن تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في الوطن العربي، وخصوصا في لبنان وسوريا واليمن، ومصر، وليبيا، والسودان، والعراق، والمهام الطليعية والجماهيرية التي باتت مفروضة على التنظيم في هذه المرحلة، واحتياجات التنظيم، كلها جاءت على ما يبدو بأكثر مما تحتمله قدرة التنظيم، فبدأت المشكلات تظهر في الفروع المختلفة، وبدأت تلقي بظلالها على مسيرة العمل وعلى الحركة في الفروع المختلفة.
وحينما عقد التنظيم مؤتمره الأخير في جلستيه في العام 1985 ـ 1986، كانت هذه المشكلات كفيلة بأن توقف هذه التجربة، وإن يكن الخلاف ما يزال قائما فيما إذا كانت هذه النهاية حتمية، نتيجة ظروف موضوعية قاهرة، أم كانت خيارا خاطئا كان يمكن تجنبه مرحليا أو كليا ببعض الصبر، وبكثير من الحنكة في إدارة مشكلات العمل السياسي، وبكثير من البذل لتأمين الاحتياجات الضرورية لتحرك على مستوى الوطن العربي كله.
هذه إطلالة سريعة على تنظيم الطليعة العربية، الذي بدأه جمال عبد الناصر، وفي عصره، وحاول مئات المناضلين أن يتابعوا في بنائه على مدى خمسة عشر عاما بعد غياب الثورة عن السلطة في مصر، وبعد الانتصارات التي حققتها قوى الثورة المضادة في كل أنحاء وطننا العربي، لكن هذه المحاولة توقفت.
هناك تفاصيل كثيرة في مسار هذه التجربة، تم عرضها في كتابنا عن تجربة الطليعة العربية، وهناك الكثير مما يمكن كتابته وعرضه عن تجربة الطليعة العربية في كل إقليم عربي وصلته هذه التجربة، ووجدت في رحابه التجاوب المنتظر.
ولا شك بأن في مقدور الكثير من الأخوة الذين شاركوا في هذه التجربة أن يقدموا معلوماتهم ورؤاهم لمسارها، وتفسيرهم لمآلها.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى