“عــاشــــــوراء”.. دمٌ لا يـجـــــفّ!

خاص “المدارنت”..
ها هي عاشوراء من جديد. السواد الفحميّ يلفّ كل شيء. الساحات والشوارع، الأزقة والبيوت، الأعلام والثياب والوجوه والقلوب… سواد في سواد في سواد.
ها هي سمفونية الحزن، ترسل مزيجًا متناسقًا من أنغام شتّى:
العويل، يُعزف على أوتار الحناجر ألحانه الشجيّة، واللطم يقرع على طبلات الصدور دقّاته الرتيبة الحزينة، والسلاسل تجلد الظهور وتطبع على بشرتها بصمات الألم الحمراء.
وفي هذه الأجواء الملبّدة بالحزن والأسى، يتنافس رواة المجالس في استقطار الدموع واستثارة الآهات والحسرات، فيصوّرون المأساة بما فاضت به قرائحهم من فنون الكلمة المتفجّعة والصوت المتهدّج الحزين.
المرثيّ هو الحسين* (بن علي بن أبي طالب)، والواقعة هي استشهاده في كربلاء. والحدث بموضوعية وإيجاز:
كان العراق معقلًا لأنصار عليّ (بن ابي طالب)، فما أن بويع يزيد خليفة على المسلمين بعد أبيه، حتى دعا أهل العراق الحسين، الى نصرته ومبايعته لهذه الخلافة. فلمّا حضر الى ما دعوه اليه انفضّوا عنه، وتركوه وأهله لمصير مأساويّ مفجع.
قضى الرجل مع صفوة من أهله شهيدًا، في جريمة تستنكرها شرائع الأرض والسماء. حدث ذلك في العام 680 م. وما تزال جذوة حارّة تتوقّد ويلتهب أوارها لدى الشيعة حتى اليوم.
عندما نستعرض هذه الواقعة التاريخية، وتطالعنا تلك المشاهد والممارسات الشاذّة (العويل، لطم الصدور، جلد الظهور، شجّ الرؤوس، مسيرات الأقدام الحافية.. ) تطرق باب العقل والضمير جملة أسئلة مشروعة:
أوّلًا: استشهد الحسين، وطبع التاريخ على جبين قتلته بصمة جريمة ووصمة عار لا تمحى؛ وما كان لأحد من أهل السنّة، ان يُقرّ ليزيد بجواز فعلته أو ليقلّل من حجمها الجرميّ، أو فداحتها العقائدية.
ولكنّ السؤال الذي يأبى ان يبتلع لسانه، هو: ما حجم المسؤولية التي يتحمّلها أولئك الشيعة، الذين ألحّوا على قدومه الى العراق، لمبايعته ونصرته، ثمّ انفضّوا عنه وتركوه وأهله لمصيره في مواجهة موت محتّم؟ أليست هذه المسؤولية في حجم الجريمة نفسها؟ هل كان الحسين، ليأتي الى العراق، ويواجه بأهله الاقربين جيش يزيد، لو لم يعده اؤلئك الشيعة بالمبايعة والنصرة، بل وبالتضحية في سبيله؟!
ثانيًا: في أجواء التضخيم في تصوير المأساة والمبالغة في التعبير عن الحزن والأسى، يشتطّ بعض علماء المذهب في الذهاب بالواقعة الى حدود من التجنّي، باتهام المسلمين الآخرين بالتحيّز ليزيد، وعصبته ضدّ الحسين، وأهله، وهو أمر يسهم لدى العامّة من الشيعة في خلق عصبية ضدّ أولئك الآخرين، وهي عصبية تبلغ أوجها في تلك الأيام من عاشوراء، حتى ليخرج البسطاء من عامّة الشيعة، بمشاعر من شأنها ان تهدّد وحدة المسلمين.
والسؤال الجوهريّ هنا: هل كان الحسين، داعية تفرقة وانقسام في الأمة الإسلامية؟ وعندما تؤدّي تلك العاشورائيات – او لنقل بعضها بكلام أدقّ – الى تفكّك المسلمين وشرذمتهم، أليس في ذلك قتل واضح لمبادئ الحسين، وقيمه الإسلامية العالية؟! أوليس الحسين، “قيما ومبادئ إسلامية قبل ان يكون كيانًا عضويًّا من لحم ودم؟!
ثالثًا: تتخلّل أيّام عاشوراء ممارسات تتنافى وحقوق الذات والمبادئ الإسلامية والإنسانية؛ ففي تلك الأيام يبرع بعضهم في تعذيب أنفسهم تعبيرًا عن حبّهم وحزنهم العميق لما حلّ بالحسين، وأهله من ظلم وعدوان. (لقد أشرنا الى هذه الممارسات من قبل) والسؤال هنا: هل هذه الممارسات من قيم الإسلام وتقاليد أتباعه؟! أو يكون الحزن بتعذيب النفس على هذه الصورة البشعة؟!
ثمّ ألهذه المبالغة والمغالاة في إشهار الحبّ والحزن، مصدرها في مبادئ الإسلام وسيرة رجالاته الكبار؟! وهل كان الحسين، ليرضى بِمثل هذه المبالغات والممارسات الجاهليّة المستهجنة؟!
إنّ الحزن للقلب، والعبرة للعقل، وما عداهما سلوكيات من دين الجهل والتعصّب والفجور.
وعندما تتحوّل مناسبة استشهاد الحسين، الى منبر للمبالغات الفارغة والتعصّب والفجور يكون الحسين، هو الضحيّة التي يسفك دمها كل عام. وهنا جريمة القتل الاعظم.
قتل الحسين، مرّةً، بسيف العار في عهد يزيد؛ ولكنّه يُقتل كلّ عام بسيوف العاشورائيين الملطّخة بالدم والجهل والتعصّب.
* الحسين شخصية تاريخية فذّة كونها تمثّل رفضًا للظلم والطغيان؛ فليكن الإحتفال بمناسبته احتفالًا يليق بمقامه الرفيع.



