عقلانية الكلام.. رسالة إنسانية وضرورة حضارية الجزء (2-2)

خاص “المدارنت”
اعلم أيها الإنسان أنك لن تستطيع العبور إلى خط النهاية، ولن تستطيع الإحاطة بكل شيء، فقد علمت شيئا وغابت عنك أشياء، إذ كلما ظننت انك بلغت خط نهاية العلم، أدركت من جديد، أن امامك آفاق لا تنتهي، فلن تبلغ مرادك مهما حققت من انجازات. إذ تنطلق السنن الكونية بسلسلة من مبدأ لكل غاية غاية اخرى، ولكل مرمى هدف آخر، فبعض أحلامك ستظل معلقة في البعيد الذي لا يتحقق.
وهذا الامر، عين ومنطق سنة عمارة الدنيا واستمرارها، وتحقيقها عبر تعاقب الأجيال التي يحكمها مبدأ الاستلام والتسليم. وهكذا يمضي الانسان بين رجاء وخيبة، بين سعي وانتظار، مكتشفا أن ما اكتسبه ليس إلا جزءًا يسيرًا مما طلبه أو طمح في طلبه. فالكلام أيها الانسان، سهم إن انطلق لن يعود، فما أحوج العالم اليوم، إلى كلمة طيبة صادقة، عادلة رحيمة، كلمة تبني ولا تهدم، كلمة تصلح ولا تفسد، ثم تجمع ولا بتفرق.
أيها الإنسان، لا تجعل حياتك ومعاشك، كلها، ساحة صراع، ولا حلبة عراك، فالحياة متقلبة متغيرة، وهي قصيرة زائلة، تعطيك اليوم، ما قد تسترده غدا، خذ منها ما يليق بقلبك، فالرضا والسكينة، ليسا في كثرة ما نأخذه أو نكسبه، إنما في حسن ما نفهم وما ندرك وما نحب ونسامح. فالكلام أمانة ومسؤولية، سنسال عنه ونحاسب، إن لم يكن أمام الناس، فأكيد أمام الله العظيم، إذ يمكن للانسان أن ينسى ما قاله، وايضا، قد ينسى الناس ما قد سمعوه، ولكن صحائف السماء لا تنسى. فالكلام الطيب يربي الضمير، ويحيي الوجدان،كما وانه، باب من أبواب النجاة، إلى جانب إنه مسؤولية اخلاقية، تقتضي إثباته بالعدل والدليل، فالصدق فيه يبني، والملفق منه يهدم.
قَسَمٌ الهي عظيم، يرفع من قدر القلم بما يخطه، فيمنح الكلمة قداسة الأثر ومسؤولية النتائج. لقوله تعالى: “ن والقلم وما يسطرون” القلم/1.. فالكتابة ليست مجرد حروف تنشر، بل هي سبيل يُبنى عليه الوعي، أو يُهدم، وايضا، هي قاعدة صلبة تقوم بها القيم أو تلوثها، فالحروف التي زينت تلك الصفحة البيضاء، تبقى شاهدة على أنامل من أمسك القلم وخط خطوط فكره، وبيًن رأيه وموقفه.
كم هو رائع أن يكون للقلم سطوة، سطوة وعي وبناء انسان، سطوة ترمم ولا تهدم، تنصح ولا تجرح، سطوة تظهر جمال بصمات القيم وأثرها الوجداني ونورها الفكري في ذاتية الإنسان، إذ تزيده تمسكا بها وترفعه عن وضيع الإنحناء والانكسار، والتي بها يعيد التوازن العلائقي داخل المجتمع.
فالقلم الناضج المنفتح، لا يقتات على العيوب، ولا يصطاد الهفوات، إنما يرى المشهد كاملا، فينبّه إلى الخطأ، بحكمة وأدب، ويمنح كل ذي حق حقّه، ولا ينكر الفضل أهله، بل يوم الأمور، بميزان العدل والإنصاف، لا بميزان الميل والهوى، وهذا مبدأ اجتماعي عظيم. لقوله تعالى: “.. وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.. (المائدة – 8)..
نحيا اليوم، حياة تفلت قيمي،وانحلال أخلاقي، وموت وجودي بطيء. لقد دمرنا لغتنا العربية، لأننا نخون جوهر رسالتها، جراء استهتارنا لها من خلال انفصالنا عن هويتنا العربية، ففارقت الألفاظ معانيها، وتحولت الكلمات إلى أجساد بلا روح، وأصبحت صدى بلا ضمير ولا بيان، مما أدى إلى فقدان لغتنا الفصحى هيبتها ووقارها، وبذلك، نكون قد حكمنا على أنفسنا بالخضوع والانصياع والانحناء، فمزقنا هويتنا بأيدينا، وجعلنا معيار الحقيقة يُقاس بصياغة الكاتب ومهارة المتحدث.
وأهملنا قيمة الفكرة وصفاء هدفها، مما انتج ضبابية الأفكار والاهداف، إذ احتاج الصدق إلى تبرير وتأويل، فلم يعد القول ولا الكلام التزاما، إنما تحول الحديث والنص، إلى أسلوب مناورة لمن يتقن طرق تبديل الأقنعة، مما أدى إلى ذهاب بعض أصحاب الأقلام إلى تجريد الكلام من رسالته الإصلاحية، ثم اتخذوه سلاحا للتجريح والمواجهة العنيفة، فحولوه منهجا للخصومة الدائمة والمشروعة،
وهذا الأمر يعتبر انتقاصًا من قيمة الاخرين وحجب جميل أعمالهم وفضائلهم.
وليس من العدل ولا من الإنصاف، أن نعظم العيوب والأخطاء، ونغفل عن المحاسن والفضائل. فالضرورة تفرض وجوب إظهار الحقيقة كما هي من دون ادعاء امتلاكها ومعرفتها دون الآخرين، مما يفرض على أصحاب الأقلام أن يبيّنون الحقيقة كما هي، حتى يتسنى الأحكام أن تصدر منصفة عادلة، ويثبتون أن النصّ محور جوهري الفهم والتفاهم والإصلاح، بهذا، يبعث الأمل في النفوس، لما يملكونه من قدرة البناء، ومن إحياء المعاني البلاغية الجميلة والهادفة، إضافة إلى قدرة ترسيخ قيم العدل والإنصاف، وبذلك يشيع الأثر الطيب، نورًا يُضيء جنبات المجتمع والامة.
واليوم، أيضًا، نجد البلاغة قد انفصلت عن اوالأخلاق، فالبلاغة، كما نعهد، فن وكشف لجوهر الجمال والمحبة، ودغدغة الأحاسيس والوجدان، فالبلاغة تقرب ولا تنفر، ولكن بعض اصحابها، تستخدمها لإخفاء القبح، من جهة، ولاظهار الإيجاز اللغوي، عجزًا وضعفا أمام بيان الحقيقة كاملة، أضف إلى ذلك، يحولون المجاز إلى وسيلة مبهمة ضبابية.
في هذه الحال اصبح البيان، (ومن البيان السحر) صناعة الوهم والخيال، صناعة التضليل والضلال، وهذا قمة النفاق. لذا نجد الإنسان قد تحول إلى مجموعة من العلل، أصابت منه العقل والوجدان والروح، وكل سبب هدم الأمم وخضوع الأوطان، وانحناء المجتمعات، وتفكك الأسر، مما يؤدي الى موت الإنسانية.
وهكذا، فالازمة مقيدة بغياب الإنسان العاقل الحكيم، رغم اننا نعيش داخل عصر يعج بانفجار معرفي غير مسبوق، وفي قمته ما يُسمّى بالذكاء الاصطناعي الذي يجيبك عما يجول بخاطرك من أسئلة، بثوان معدودة، قوة معرفية خارقة تبين مدى امتلاكها لكل ما يحيط بالإنسان من معلومات، حتى تلك المتعلقة بنفسه وذاته، وهذا دليل على قدرة امتلاكه العالم باثره، أي اخضاعه لقدرته المعرفية.
رغم تلك المعارف والمعلومات وسهولة الحصول عليها، نجد تزايد عنف الحروب وانتشار الاحقاد والكراهية، ثم اتساع الفجوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. فيفقد المجتمع منطق الحوار الفعال، ويسيطر الرأي على الحقيقة، وتقوى الشائعات على الدليل والبرهان، والسبب في اعتيادنا سياسة القطيع، بعد قتلنا كل عقل ناضج ناقد، إذ المعلومات الكثيرة، يمكن جمعها وحفظها.
أما التفكير المحلل الناقد يحتاج إلى لمهارة وتدريب، ومثل هذه العقول، تلك التي تسأل وتبحث وتبين وتنتقد، تلك التي تنتج علماء (بكل ما تعني الكلمة من معنى)، يتهيؤون لإنقاذ الامة وبناء حضارة. فالواجب يدفعنا للبحث وصناعة أي إنسان نريد؟ كيف نبنيه؟ يعني اننا نحتاج إلى اعتماد منهج تربوي بنًاء، يقوم على مبدأ تشكيل عقل ناضج ناقد، مع حيوية ضمير انساني حي، فتولد شخصية حرة مستقلة فريدة.
وهنا لا بد من كلمة أخيرة، وبكل جرأة نقول: إن الانبياء والرسل، لم يكونوا رجال طقوس، فقد حملوا مشروع قيمي أخلاقي، ورسالات تحول حضاري، فلماذا تحصرون الدين وتشريعاته، بشعائر طقسية، وتغفلون عن بناء انسان حر مستقل، عن بناء مجتمع فاضل عادل؟ كيف تسكتون عن سرقة الأوطان وعن اماتة الضمائر الإنسانية ونهب الكرامات؟ اننا نصرخ أعيدوا للدين رسالته، والتي في جوهرها كرامة انسان، وعدل مجتمع، ومساواة بشر وحرية فكر ووجدان. لقوله تعالى: “أفلا يتدبرو القرآن أم على قلوب قفالها” محمد/24. اكسروا اغلال الموروث، وانهضوا بفقه جريء ناقد، يرد للامة عقلها المعطل، ويسترجع الدين رسالته.
نعود إلى ما ابتدأنا به، لنؤكد على أن الكلام والقول، ليسا ترفًا ثقافيًا، إنما قوة تخلق الوعي وتصنع حضارة، وتحفظ هوية شعب. فالكلام دائما أسبق من السيف وابقى من السلطة. فقيمة الكلام في الأثر الذي يتركه في وجدان انسان، فيغير فيه فكرة ويوقظ به وجدان. فالكلام الذي يحمل رسالة، يحيا ويبقى، فيهدي العقول، ويحفظ ذاكرة الأمة. فهو ضرورة حضارية.



