عُمان و”مضيق هرمز”.. حين يكون الحوار جزءًا من منظومة الأمن!
“المدارنت”
وجود الخلاف بين الدول أمر طبيعي، لكن تحويله إلى خصومة مستدامة ليس قدرا محتوما. ففي عالم تتشابك فيه المصالح وتتزايد الأزمات، لم يعد الحوار خيارا سياسيا ثانويا، ولا التفاوض وسيلة لا يُلجأ إليها إلا بعد استنفاد سائر البدائل، بل أصبح في كثير من الحالات أداة واقعية لإدارة الخلاف والحيلولة دون انزلاقه إلى أزمات مفتوحة يصعب تطويقه.
تزداد أهمية ذلك في العلاقات بين الدول المتجاورة، إذ لا تملك الدول تغيير الجغرافيا، كما أن تعارض المصالح السياسية، أو الأمنية لا يستلزم بالضرورة القطيعة أو التصعيد. ومن هنا يبرز التفاوض بوصفه وسيلة لإدارة الخلاف وصون المصالح المتبادلة، من دون أن يعني ذلك التنازل عنها. فالحوار والتفاوض ليسا وليدي العصر الحديث، بل ممارستهما تضرب بجذورها في التاريخ؛ فشكّلت الرسائل والهدن والمواثيق والمعاهدات، أدوات مبكرة لتنظيم العلاقات وتسوية النزاعات عندما يتعذر الوصول إلى التوافق الكامل.
تقدم التجربة العُمانية نموذجا إقليميا بالغ الدلالة لسياسة الأبواب المفتوحة، القائمة على إبقاء قنوات الاتصال متاحة حتى في أكثر الظروف تعقيدا. لم تستمد مسقط فاعلية دورها من قدرتها على فرض الإرادة على أطراف النزاع، وإنما من قدرتها على توفير مساحة آمنة للاتصال عندما تضيق القنوات الأخرى، بما يتيح للخصوم التواصل، دون أن تتحول الوساطة إلى انحياز أو إلى تدخل في جوهر النزاع.
كان للدور الذي اضطلعت به عُمان في الاتصالات بين الولايات المتحدة وإيران خير مثال على ذلك، إذ لم يبدأ مع الأزمة الراهنة، بل سبقها بسنوات؛ إذ أسهمت الاتصالات التي استضافتها مسقط في تهيئة الأرضية للمفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، ووفرت قناة خلفية للحوار في ظل تصاعد التوتر وتعميق انعدام الثقة، قبل أن يستمر هذا الدور لاحقا كقناة اتصال بشأن الملف النووي وعدد من القضايا الإقليمية المرتبطة به. وحتى بعد اندلاع الحرب الحالية، واصلت مساعيها للإبقاء على قناة الاتصال قائمة قبل أن يتجه جزء من الاهتمام الدولي إلى مضيق هرمز، الذي يمثل أحد فصوله الأحدث.
وقد تجاوزت الوساطة العُمانية حدود التدخل الظرفي الذي تفرضه أزمة بعينها، لتعبّر عن نهج ديبلوماسي أكثر رسوخا، يقوم على التمييز بين استمرار الخلاف وضرورة استمرار التواصل. تكتسب استمرارية هذه القناة أهمية خاصة بالنظر إلى موقع إيران في المعادلة الخليجية؛ فهي ليست طرفا يمكن تجاوزه، إنما دولة حاضرة في صميم التوازنات الأمنية والسياسية للمنطقة، لذلك، فاستقرار الإقليم المستدام لا يمكن أن يستند إلى الردع والاصطفافات والتحالفات الخارجية وحدها، بل يقتضي وجود قنوات مباشرة تتيح إدارة التوترات والحد من مخاطر سوء التقدير، ولا سيما بين أطراف تفرض الجغرافيا استمرار التفاعل بينها.
لقد أصبح هرمز اختبارا عمليا لفلسفة عُمان الديبلوماسية، بعدما انتقل الحوار من كونه قناة لإدارة الخلاف السياسي إلى وسيلة لمعالجة تداعيات أمنية تمس حرية الملاحة الدولية. ففي يونيو 2026، أكدت عُمان أنها تعمل بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، لتوفير خيار لممر بحري مؤقت أمام السفن الراغبة في العبور، استنادا إلى التزاماتها المتعلقة بحرية الملاحة والقانون الدولي، وإلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي. ثم جاء التطور الأبرز في أغسطس 2026؛ بحث عُماني إيراني كإطار مرحلي لاستئناف الملاحة الآمنة، يتضمن إنشاء ممر ملاحي مؤقت ومشروعا مشتركا لإزالة الألغام، إلى جانب مفاوضات فنية بشأن ترتيبات أكثر ديمومة لإدارة حركة السفن وتبادل المعلومات. وأكد الطرفان أهمية إشراك الدول المطلة على مياه الخليج في النقاشات ذات الصلة.
يُعد مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية في العالم، لارتباطه مباشرة بحركة التجارة والطاقة وأمن الإمدادات. ومن ثم، فإن أي اضطراب في الملاحة عبره لا تظل آثاره محصورة إقليميا، وإنما تمتد إلى الأسواق وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي. ومن هنا تكتسب الترتيبات المؤقتة قيمتها؛ فعندما يتعذر الاتفاق على القضايا الكبرى، يمكن التفاوض على ترتيبات محددة ومؤقتة قابلة للتنفيذ تقلل احتمالات الخطر، بدلا من الانتظار سنوات من أجل تسوية شاملة، وقد تهيّئ الطريق نحو صيغة أكثر استقرارا.
هذه الترتيبات تسلط الضوء على مفهوم أوسع للأمن الإقليمي؛ فليست الإشكالية في تحالف دول الخليج مع الولايات المتحدة، ولا في سعيها إلى بناء شراكات استراتيجية توفر لها مظلة أمنية في بيئة إقليمية مضطربة، فلكل دولة الحق في اختيار ترتيباتها الأمنية، بما يحفظ سيادتها ومصالحها.. وإنما تبرز المسألة عندما تتحول التحالفات الخارجية من عنصر في منظومة الأمن إلى بديل عن امتلاك دول المنطقة أدواتها الخاصة لإدارة خلافاتها الإقليمية، فالأمن المستدام لا يرتبط بقدرة القوى الخارجية على الردع والحماية فحسب، وإنما أيضا بقدرة دول الإقليم على التعامل مع أزماتها بوسائل مستقلة.
ولا يعني ذلك التخلي عن التحالفات القائمة، أو التقليل من المخاوف الخليجية تجاه إيران، بل يعني إدراك حدودها؛ فالردع قد يمنع طرفا من الإقدام على خطوة معينة، لكنه لا يوفر بالضرورة آلية لإدارة الأزمة عندما يقع التصعيد بالفعل، والتحالف قد يعزز القدرة على الرد، لكنه وحده لا يجيب عن سؤال: كيف تنتهي الأزمة؟ وكيف تُبنى قواعد تمنع تكرارها؟ ومن هنا، ينبغي عدم النظر إلى التحالف الدولي والحوار الإقليمي باعتبارهما خيارين متعارضين؛ وتكشف أزمة مضيق هرمز أن امتلاك هذه القنوات ليس ترفا ديبلوماسيا، بل جزء من القدرة على حماية الأمن والمصالح المشتركة.

من هنا يبرز التباين بين حاجة الإقليم للحوار وأسلوب إدارة الأزمات؛ فالولايات المتحدة تملك حساباتها الأمنية والاستراتيجية، فالملفات النووية وسلوك إيران يمثلان، من منظورها، مسائل لا يمكن تجاهلها. غير أن السؤال يتجه نحو مدى فاعلية الأدوات المستخدمة في تحقيق الأهداف المعلنة، وما إذا كان الضغط المستمر أو التهديد باستخدام القوة العسكرية أو إعمالها بشكل عشوائي وانتقامي، قادرا بمفرده على إنتاج النتيجة السياسية المنشودة.
وقد عبّر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري عام 2013 عن هذا المنطق، عندما أكد أن العقوبات لم تكن غاية في ذاتها، وإنما أداة للضغط من أجل التفاوض. وكشفت التجربة العملية أن الضغط قد يرفع كلفة الخيارات القائمة ويدفع الأطراف إلى إعادة حساباتها، لكنه لا يكفي وحده لضمان تسوية مستدامة.
يحتاج الأمر إلى بناء مصالح والتزامات متبادلة تجعل الامتثال أكثر جدوى من العودة إلى المواجهة، بدلا من تحول الضغط من وسيلة تخدم هدفا سياسيا إلى سياسة قائمة بذاتها. فالهدف إذا كان تغيير السلوك أو الحد من قدرته على تهديد الآخرين، فإن السؤال ينبغي أن لا يكون فقط: كيف نجعله يدفع ثمنا أكبر؟ بل ما المسار الذي يمكن أن يقوده في النهاية إلى سلوك أكثر استقرارا؟ وهنا يعود التفاوض إلى موقعه الطبيعي باعتباره جزءا من استراتيجية الأمن، لا نقيضا لها.
إذا كانت أزمة مضيق هرمز قد أظهرت حدود الاعتماد على أدوات القوة وحدها، وأكدت قيمة القنوات التي تتيح إدارة الخلاف، فإن تجاوز الأزمة ينبغي أن لا يقف عند احتوائها، وإنما أن يتجه إلى بناء ترتيبات تحول دون تكرار أسبابها، فالتفكير في آلية إقليمية دائمة للحوار بشأن أمن الملاحة، تضم الدول المطلة على الخليج، قد يوفر إطارا منتظما لبحث المسائل البحرية والأمنية وتبادل المواقف قبل تحولها إلى أزمات. يمكن أيضا البناء على الترتيبات العُمانية الإيرانية المؤقتة وتطويرها إلى قواعد أكثر استقرارا لتنظيم حركة السفن، وتبادل المعلومات، وضمان سلامة العبور، مع تعزيز الدور الفني والقانوني للمنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة.
الاختبار الحقيقي للديبلوماسية ليس أن تنهي كل الخلافات، وإنما أن تجعل إدارة الخلاف أكثر انتظاما وأقل تكلفة، وأن تمنع أزمة واحدة من التحول إلى مواجهة أوسع. إن التجربة العُمانية تقدم دلالة تتجاوز حدود الوساطة التقليدية، قوامها إمكان التفاهم حين تتعذر التسويات الكبرى. وهذه قيمة استراتيجية بحد ذاتها، لأن القناة المفتوحة قد تصبح، في لحظة حاسمة، جزءا من منظومة الأمن.



