مقالات
غزو لبنان عام 1982.. الجزء “2”..

خاص “المدارنت”..
.. لأننا تعلمنا الوفاء، وكنا اوفياء، وما نزال أوفياء، وسنبقى أوفياء لعروبتنا، على امتداد كامل مساحة الوطن، ولأننا نؤمن أن نهوض أمتنا العربية، حتمي بإذن الله، سنتابع الإشارة الى محطات رافقت الغزو الصهيوني للبنان، في العام 1982، بخاصة، بعد أن قوبل الجزء الأول المنشور على صفحات موقع “المدارنت” اللبناني/ العربي، الالكتروني، بقراءات لافتة.
ذكرت في الجزء الأول، أنني كنت في عداد الطلاب العرب الذين استقلوا الطائرة الليبية الأولى المتجهة الى سوريا، حيث تم استقبالنا من قبل عناصر من الجيش السوري، عند الساعة الثامنة والنصف مساء، وتم نقلنا الى أحد المعسكرات القريبة من مطار دمشق الدولي، وكان الجو حار جدا، افترشنا الأرض، والتحفنا السماء.
ومع اقتراب بزوغ الفجر، بدأ الطقس يبرد، وبعد عدة ساعات، حضر الينا بعض الجنود السوريين، يحملون لنا هدايا من علب الـ”شوكولا وبسكويت”، ووزعوها علينا علّنا نسدّ بها جوعنا. بدأنا بالتهام قطع “الشوكولا والبيسكويت”، على الفور، الى ان داهمنا النعاس جراء التعب، واخذ منّا كل مأخذ.
وفي صباح اليوم التالي، وبعد رحلة الإرهاق والتعب، والحاجة الى النوم، تغيّرت ملامحنا، وغيّر الطقس الصحراوي تضاريس وجوهنا، وأشكال وألوان ثيابنا. تم تكرار عملية توزيع “الشوكولا والبسكويت” مجددا، وكما يقول الليبيون: “الله غالب”.
وبعد فترة زمنية قصيرة، تعرضنا لأوجاع في البطن، مصدره المعدات المليئة بـ”الشوكولا والبسكويت”، وما هي إلّا لحظات، حتى وقعنا فريسة الإسهال الشديد، وبدأ كل منا يبحث عن مكان قريب، شرقا وغربا، بحثا عن أي ساتر لقضاء حاجته، وبقينا على هذه الحالة لساعة أو أكثر من بعد الظهر.
.. لاحقا، حضر الينا أحد الجنود، وطلب منا تحضير أنفسنا لمغادرة المعسكر، وبعد عدة ساعات، وصلت الى المعسكر عدة حافلات، وتم نقلنا الى معسكر تابع لـ”الجبهة الشعبية/ القيادة العامة”، حيث استقر زملاؤنا الطلاب العرب، رفاق رحلتنا في الطائرة الثانية من ليبيا، الذين كان حظهم أوفر من حظنا، فقد لاقوا في معسكر القيادة العامة كل ترحاب، إضافة الى المهاجع اللائقة المجهزة للنوم، ومطبخ عربي كبير، يجود عليهم بخيرات الجبهة الشعبية، من الطعام الساخن، وحمامات، تلبي حاجاتهم الى الاستحمام ورغباتهم في الراحة.
ومع وصولنا الى هذا المعسكر، سارعنا الى الحمامات، من أجل إزالة آثار الرمال والعرق المتصبب من أجسادنا. وبعد مرور الوقت سريعا، حضر الى المعسكر الأخ إبراهيم السيد، قادما من لبنان، من أجل تسهيل أمورنا، والعمل على عبورنا الى لبنان.
.. بدأ الأخ إبراهيم، يخبرنا عن الأوضاع الأمنية والعسكرية في لبنان، ومنه عرفنا ان قوات العدو الصهيوني باتت في بلدة “كامد اللوز”، التي لا تبعد عن بلدتنا “المرج”، سوى بضعة كيلومترات، وأن مخازن الأسلحة المحيطة في بلدتي، والتابعة لـ”منظمة التحرير الفلسطينية”، قد تم تدميرها بالكامل من جانب القوات المعادية، وأعلمنا بنيّة التوجه الى منطقة البقاع اللبنانية ليلا، من دون أن يحدد موعدًا لذلك.
.. حوالي الساعة العاشرة مساء، استقلينا الحافلات، واتجهنا الى نقطة الحدود السورية/ اللبنانية، ومع وصولنا الى منطقة المصنع الحدودية في لبنان، لاحظنا أن الظلام يسيطر على المنطقة من كل حدب وصوب، باستثناء الإنارة الخفيفة الصادرة من مصابيح السيارات، والتي كشفت لنا تغريبة بعض اللبنانيين الهاربين شرقًا نحو سوريا، طلبا للحماية من العدوان الصهيوني على الأراضي اللبنانية، عموما، وبخاصة، في الجنوب والبقاع الغربي، وهم يحملون ما خف وزنه وغلا ثمنه من الأمتعة.
.. بدأنا نسمع أصوات بكاء الاطفال وصراخ النساء، تنبعث من داخل السيارات، وأذكر إنني كنت أقف قرب باب الحافلة المفتوح، الى جانب السائق، وكنت أرى بأم العين تلك المشاهد المأساوية، الأمر الذي ذكّرني بالتغريبة الفسطينية، وما قرأت وسمعت عنها في مرحلتيها، الأولى والثانية… الخ. وفجاة، بدأت الدموع تنهمر من عينيّ، وارتفع منسوب الغلّ والكراهية للعدو الصهيوني الغاصب والحاقد، والفاقد لكل معاني الإنسانية. وفي نفسي تساؤلات كثيرة، كنت اختمها دائما بأنها الحرب..! وأنا على هذه الحال، سألني أحد الزملاء، والذي كان يقف الى جانبي، وهو من مدينة صور الجنوبية:
أين نحن الآن؟!
قلت له: نحن الآن على الحدود من جهة الأراضي اللبنانية، وخلال فترة تقل عن الساعة إن شاء الله، نكون في أحد المخيمات التابعة لـ”الاتحاد الاشتراكي العربي”، في منطقة الروضة/البقاع الغربي، وهذا ما حصل.
وفور وصولنا الى قرية الروضة، عملنا أولًا، على تأمين المنازل والاماكن للزميلات الأخوات، رفيقات الرحلة من ليبيا، عند أهالينا واقاربنا في منطقة البقاع، في حين تم تأمين الأماكن لبقية الأخوة من الشباب العرب واللبنانين داخل المخيم.
.. وبعد أن اطمأنينا على وصولنا جميعا بخير، ذهبت إلى دار أهلي، التي لا تبعد أكثر من كلم، عن مكان المخيم. دخلت البيت بعد منتصف الليل بساعة تقريبا، وكان الظلام الدامس يملأ المكان، وحاضرًا في كل الاتجاهات، وكوني احتفظ بشكل دائم بنسخة من مفتاح البيت، بخاصة وان اهلي اعتادوا على سفري المفاجىء، وعودتي الى الدار من دون إنذار أو خبر مسبق، فتحت الباب الرئيسي، ودخلت الى الدار، وضعت حقيبتي الصغيرة في المدخل، وذهبت إلى غرفة اخوتي، بالطبع الجميع نيام، وعند صلاة الفجر، فوجئت أمي رحمها الله، بوجودي في غرفة اخوتي، أيقظتني، بدأ اخوتي يتوافدون اليّ، الواحد تلو الآخر، وأحاديث الساعة كانت حكمًا عن عمليات الغزو الصهيوني إلى الأراضي اللبنانية.
.. ومع ساعات الصباح الأولى، دخلت سيارة الى دارتنا، يستقلها عضو قيادة فرع البقاع في “الاتحاد الاشتراكي العربي”، الأخ رضى الحاج، رحمه الله، وهو من بلدة “كامد اللوز”، وبعد التحية والسلام، جلسنا سويًا، في حضور أخي الكبير عبد الرحمن (أبو حسام) رحمه الله، نحتسي الشاي، والى جانبنا مذياع صغير، ينقل أخبار العمليات العسكرية، وبين الخبر والخبر، يبث أغنية “أناديكم” للفنان أحمد قعبور، وفجأة انفجر الأخ رضى الحاج بالبكاء وطلب مني مرافقته إلى المخيم، حيث قضى الزملاء الطلاب ليلتهم الأولى.
ذهبت برفقة الأخ رضى الحاج الى المخيم، وتناولنا فطورنا مع الشباب، وكان عبارة عن منقوشة وشاي، وفور وصول المسؤول العسكري لـ”الاتحاد الاشتراكي العربي” الأخ أبو خليل، الى المخيم، أبلغنا أن المطلوب حاليًا من الشباب، المساعدة على نقل صناديق الذخيرة من المستودع، وتنظيفها، وتجهيزها، قبل نقلها الى الراجمات والمدفعية 122 ملم.
للموضوع بقية…
======================



