غـزّة الـمـلـحـمـــة.. والـتـحـديـــات الـكـبـيـــــرة!

“المدارنت”..
إنعقد مجلس “جامعة الدول العربية”، وإنعقد “مجلس الأمن (الدولي)، وينعقد “مؤتمر القمة الإسلامي” و”هيئة الأمم المتحدة” ومنظماتها العالمية الفرعية، وغيرها؛ من أجل البحث في الهجمة الشرسة والعدوانية على قطاع غزة الصامد الذي ينزف منذ أكثر من ستين يوماً، في ظل العدوان العالمي السافر على العالم الإسلامي، خصوصاً بشعوبه والعالم الغربي بشعوبه الواعية المنتفضة ضد الهمجية الصهيونية عموماً، والكيان الصهيوني الغاصب ماضٍ في حربه العبثية، والقضاء على كل المظاهر الإنسانية، ضارباً بعرض الحائط كل القرارات الدولية المنحازة أصلاً إليه، مستعملاُ كل أدوات الحرب المحرمة دولياً بعد أن فقد صوابه لخسارته المعركة.
في هذا الوقت، تقوم الدول الغربية الداعمة، وعلى رأسها أفعى العالم الولايات المتحدة الأميركية، بنقل أساطيلها الحربية، البحرية والجوية، إلى قبالة الشواطئ المحاذية لنقطة الإشتباك، من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر فالخليج العربي وباب المندب، فالتوسع لحجم الأساطيل المحيطة بالعالم العربي والإسلامي ليست عبثية، بحجة حماية القواعد العسكرية المنتشرة فيها…
لقد فات على الزعماء العرب القضية الأم، وهي إبادة شعب بأكمله تعداده يوازي مدينة القاهرة، عاصمة مصر، ففي وقت تزداد فيه خيام اللاجئين وأرض النازحين ضمن القطاع من دون ترك الأرض المقدسة، يتمادى الزعماء العرب، ويتباهون بإقفال الحدود وتضييق الخناق، يكفي فخراً لغزة وأهلها أنهم لم ينزحوا إلى البلاد المجاورة (لبنان، الأردن، مصر)، ليكونوا عالة كما فعل السوريون الذين تركوا بلادهم لقمة سائغة للغرباء والميليشيات، واستسلموا ونسوا بلادهم وملأوا بلاد العرب والغرب بحجة الحرب! فهذه حرب غزة، تعلم العزة وحب الأوطان والإستشهاد في سبيل الله، والرباط والثبات على الحق لكل من باع وطنه من أجل دولارات الأمم المتحدة….
إن هذه الجروح النازفة لا ينفع معها إلا الإسعاف السريع والعلاج الناجع، فالإستمرار بالإعتماد على الدول الكبرى نوع من الخداع فالتاريخ دليل والشواهد من الماضي القريب دليل أيضاً، فالذي ذبح المسلمين وتنكر لحقوقهم في فلسطين لا يمكن أن ينتصر عليهم لأن هذا الشعب الجبار لم ينسَ أرضه حتى ينسى جرحه، ونظرة واحدة على قوائم الهجرة اليهودية إلى الأرض المحتلة تكفي لرؤية الخط البياني الصاعد، وحجم الدعم الهائل للكيان والإستماتة في سبيل بقائه وتثبيته في المنطقة…
إن شعوب الأمة المسلمة الواحدة لا تعاني من خلافات بينها ولا تشعر بأي نوع من النزاع فهي أمة واحدة “وإن هذه أمتكم أمة واحدة”، رغم اختلاف اللهجات والعادات والبيانات إلا أنها آمنت برب واحد واتجهت إلى قبلة واحدة وأقامت شريعة واحدة تحكم حياتها وهي تنظر إلى ألوان النزاع بين زعمائها والمتربعين على كراسي الحكم فيها، نظرة ألم وحسرة وإشفاق، مهما كانت مبرراته، والفلسفات التي تروج له وتعتبر أن النزاع والخلاف نوع من التعامل السياسي على المستوى الرسمي سببه عدم تحكيم الإسلام .
ونعتقد أن الأمر الحاسم في ذلك، والعلاج الناجع المجرب، هو الإستمساك بالكتاب والسنة ووحدة الأمة وقوتها، قال تعالى: “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”، فهل يتنبّه حكام العالم العربي والإسلامي لضرورة التضامن والتعاون فيما بينهم لمساندة غزة والقضية الفلسطينية بحق؟ فغزة، عرّت الكثير من الأنظمة العربية الفاسدة وأسقطت العديد من الأقنعة المزيفة! والسؤال هنا: لنا أن نتخيل أن هذه المقاومة الباسلة لو كان لديها منفذ حدودي واحد، وغير محاصرة عربياً ودولياً، ولو أنها حظيت بدعم عسكري خارجي ماذا يا ترى فعلت بهذا الجيش المهزوم نفسياً؟
إن الدول العربية وأنظمتها تمتلك العقيدة الموحدة، والحضارة العريقة،وتجربة تاريخية رائدة، وقدرات بشرية واقتصادية ومالية هائلة، فالموطن العربي مخزن العالم في الطاقة والمياه والطعام والشراب ونفطها هو الشريان المتدفق الذي يكد العالم بالحركة والحياة، فلقد اجتمعت كل المؤهلات المادية والمعنوية لتكون هي وحدها دون سواها من يقود العالم إلى الخير والعدل والرحمة والسلام “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس”.
هي قادرة بالفعل على فرض حقوقها وتحقيق أهدافها و تبيان قوتها إذا أحسنت استخدامها وفجرت طاقاتها وعادت إليها روح الجهاد.
لقد استهلكت خلال الخمسين سنة الماضية كل الشعارات والحلول المطروحة دونما تطبيق في سبيل تحرير فلسطين وما من نتيجة. فهل تتخاذل اليوم في ضوء انتصار المجاهدين في غزة يوماً بعد يوم؟
إن أخوف ما يخافه الكيان الصهيوني هو عودة الأمة إلى عقيدة الجهاد أو عودة روح الجهاد إلى جسم الأمة التي قضم العدو بعض أطرافه. ولا ننسى الرعب الإعلامي المنفوخ بأسطورة الجيش الذي لا يُقهر وسقوطه تحت نعال أهل غزة…
وأخيراً، فالحق نقول، وللتذكير فقط، أن اليهود عقدوا مؤتمراً واحداً جمعوا به شتاتهم وأقاموا فيه دولة على باطل وحققوها على أرض الواقع، وعقدنا مؤتمرات ومؤتمرات ولا نزال، فهل نعيد الحق الذي فقدناه؟
يموت أهل غزة، لتحيا العزة، وكم من الناس من يبيع العزّة ليحيا هو ذليلاً، عرفوا قيمة النفس ولم يعرفوا قيمة الكرامة…ولله الأمر من قبل ومن بعد.



