في الذكرى المئوية لميلاد الحكيم (جورج حبش)..

“المدارنت”
كم هو مؤلم أن تحل الذكرى المئوية لميلاد الثائر الكبير الدكتور جورج حبش، (الأول من أغسطس 1925)، على وقع ما يجري على أرض غزة الحبيبة من خراب ودمار ومجازر، وحرب إبادة وتجويع، وقتل جماعي متعمد لمدنيين عزل، معظمهم من الأطفال والنساء الأبرياء والمسنين من دون رحمة، وسط صمت عربي مطبق، ما شرعن لإسرائيل ومنحها رخصه للقتل والتدمير، وتشريد مليونين ونصف المليون من المدنيين، بهدف طردهم وتهجيرهم وقتل أكبر عدد منهم لتفريغ الأرض من أهلها واتباع الأساليب الوحشية والهمجية نفسها، كما حصل قبل 77 عاما على يد العصابات الصهيونية واستيلائهم على 78% من مساحه فلسطين التاريخية بتغطية من الانتداب البريطاني، وتواطؤ من الأمم المتحدة ومعظم الدول الغربية المساندة لإسرائيل.
إنها جريمة القرن العشرين والواحد والعشرين ووصمة عار في جبين الإنسانية، وكل من يدعي الحضارة والمدنية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة.
في مثل هذا اليوم الأول من أغسطس/آب من كل عام نحتفل بذكرى ميلاد القائد المؤسس والمناضل الرمز رجل المهمات الصعبة الحكيم رفيق العمر والدرب النضالي الشاق، ابن اللد البار، الذي اضاء بميلاده سماءها بشعاع من نور وكان البدر الذي ظهر في ليلة ظلماء لينير الدرب للثوار الأحرار، ولكل الأجيال وكأنه يقول للعالم كله هنا اللد، هنا نقطة الانطلاق نحو أفق الحرية والاستقلال الوطني. من اللد كانت البداية، وفي اللد ستكون النهاية، نهاية حقبة تاريخية قاتمة ومظلمة من تاريخ شعبنا العظيم، وبزوغ فجر ونور وأمل بغد أفضل تسوده العدالة والحرية والمساواة، لشعب يستحق الحياة الكريمة فوق تراب وطنه كباقي شعوب الأرض.
الحكيم كان الواحة الخضراء وسط صحراء التيه القاحلة في حياه شعبنا الفلسطيني، وثورتنا وفي نضالنا المرير على مدار عشرات السنين من حياة التشرد والمنافي والشتات في أصقاع الأرض. هكذا كان الحكيم يؤمن بالحتمية التاريخية لتحرير الأرض، وبقدرات شعبنا واستعداده للتضحية والاستمرار في النضال الدؤوب لعشرات السنين، حتى تحقيق أهدافنا الوطنية في الحرية والاستقلال وتحرير الأرض المغتصبة من براثن الاحتلال الصهيوني البغيض.
ستبقى الأجيال تقتدي بكل ما قدّمه الحكيم وجميع المناضلين الشرفاء من تضحيات جسام، وعذابات في مواجهة الغطرسة الصهيونية، والاحتلال الظالم لأرضنا المقدسة. جميعكم يعلم ان الحكيم جورج حبش كان الشاهد الحي على نكبة شعبنا عام 1948 واكتوى بنارها، ما الذي دفع طالب الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت وهو في عنفوان شبابه يطمح إلى أن يصبح طبيبا لامعا كان متفوقا على دفعته وله هوايات كثيرة ونشاطات طلابية ثقافية، سياسية ورياضية، يهوى الموسيقى والغناء، شغل منصب نائب رئيس العروة الوثقى، وفي السنة التالية انتخب رئيسا لها لمدة عامين، تقديرا لنشاطاته وعطاءاته وكفاءاته العلمية.
كرّس حياته لخدمة شعبه وللقضية الفلسطينية، وفي عام 1948 عندما بدأت قوافل المهاجرين الفلسطينيين تصل إلى لبنان عن طريق الناقورة، جن جنونه واتخذ قراره التاريخي وقطع دراسته الجامعية، ونزل في أخطر الظروف الأمنية ليصل مدينة اللد بعد منتصف الليل، ليحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، رغم إلحاح الأهل الذين طالبوه بأن يبقى في لبنان، لخطورة الوضع، إلا أنه أصّر على ترك الجامعة وانضم إلى مستوصف يرأسه الدكتور مصطفى زحلان، وعمل معه قدر استطاعته، كطالب طب لإنقاذ الجرحى، وكان المستوصف بغرفه وممراته يعج بالمرضى والجرحى والقتلى والنازحين والعاملين فيه، وبعد فترة وجيزة من وصول الحكيم، اقتحمت القوات الإسرائيلية مدينة اللد وبدأت بطرد السكان وتهجيرهم خارج المدينة، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى المستوصف وأجبر جميع العاملين فيه إلى الرحيل قسرًا.
في تلك اللحظة المؤلمة، انضم الحكيم مع أهله بعد وداع اخته التي توفيت بسبب المرض، وعدم توفر العلاج لها، وانضموا جميعا إلى قوافل المهاجرين المدنيين، وكانت رحله العذاب مشياً على الأقدام بين آلاف البشر، تحت أشعة الشمس الحارقة ومعاناة الأطفال وكبار السن، كثير منهم مات على قارعة الطريق جوعا وعطشا وقهرا وإذلالا، حتى وصلوا إلى مدن الضفة الغربية منهكي القوى.
من هنا كانت نقطة التحول في حياة الحكيم فانقلبت حياته رأسا على عقب وتحول من طالب طب مقبل على الحياة بطموح الشباب وأحلامه، إلى ثائر زهد الدنيا وكرسّ حياته لمحاربة الظلم والطغيان، ومقارعة العدو الصهيوني بكل الوسائل النضالية الممكنة، وعاد إلى الجامعة بضغط من أهله، وتحولت الجامعة الأمريكية إلى منبر لطرح القضية الفلسطينية، من خلال نشاطات طلابية ومظاهرات عمت مدينة بيروت، وندوات ومحاضرات لكبار السياسيين المعروفين بوطنيتهم.
استطاع الحكيم أن يؤثر على آلاف الطلاب العرب من مختلف البلدان العربية وجمعهم باسم الشباب القومي العربي، من الأقطار العربية كافة، من المغرب العربي إلى الخليج العربي، من اليمن وعمان والبحرين والكويت، ومعظم دول الخليج، حتى السعودية ومن مصر والأردن ولبنان وسوريا، وفي عام 1952 عاد الحكيم إلى الأردن ومعه الدكتور وديع حداد، وافتتحا عيادة شعبية في عمان كان معظم مرضاهم من الطبقة الكادحة ومن المخيمات وخصصوا أياما للعلاج المجاني وافتتحوا مدارس لمحو الأمية، وأصبحت لهم شعبية كبيرة في أوساط الجماهير.

وفي عام 1956، عقد الحكيم المؤتمر التأسيسي لحركه القوميين العرب بحضور عدد كبير من القياديين، الذين حضروا من مختلف الأقطار العربية، وأطلقوا اسم حركة القوميين العرب على تنظيم الشباب القومي العربي، وانتشر نشاطهم في أرجاء الوطن العربي، وتحولت العيادة إلى قيادة يؤمها الشباب القومي العربي، وانتشر نشاطهم إلى القدس وجميع مدن الضفة الغربية، وبدأ الحكيم يتردد إلى القدس بمهمات طبية وسياسية، ويلتقي مع نخبة من الأطباء وأصدقائه والسياسيين ووجهاء الضفة الغربية، وكان يزورنا في البيت بحكم صلة القرابة ويحظى بالترحاب الحار من والدي ووالدتي، وكنا جميعا ننظر إليه كبطل قومي بكل فخر واعتزاز.
عندما ارتبطت بالحكيم كزوج ورفيق درب كنت أدرك تماما أن حياتنا الزوجية لن تكون سهلة، ومن الصعب التنبؤ بمخاطرها وتعقيداتها وتحدياتها. كنت على يقين أنني ارتبطت برجل المبادئ والقيم السامية الذي كرّس حياته وشبابه من أجلها ومن أجل قضية شعب شُرد واقتلع من أرضه بقوة السلاح. قضية سيطرت على كيانه وعقله وتفكيره، وقلبت حياته رأسا على عقب، وأثقلت كاهله، لكن قوة خفية كانت تدفعني للتمسك به، والبقاء إلى جانبه في مسيرته النضالية، أشاركه همومه ومتاعبه وقناعاته.
مشينا معا درب الآلام، وكنت الساعد الأيمن لهذا الإنسان الكبير، طيلة نصف قرن من الزمن من حياتنا الزوجية، بكل ما تخللها من أحداث تاريخية معقدة. كانت الحياة الأسرية التقليدية مع الحكيم شبه مستحيلة في ظل حياة مضطربة وغير مستقرة، وظروف أمنية خطرة، وملاحقات الموساد والمخابرات الأمريكية، ومتابعة كل تحركاته للنيل منه. لكنها محاولات باءت بالفشل، والحمد لله، وهذا يعود للإجراءات الأمنية الصارمة التي كنا نتبعها في حياتنا اليومية، رغم انعكاسها على طفلتينا ميساء ولمى.
وكان يحرص الحكيم دائما على أن يوفق بين طبيعة عمله وعائلته، ويحاول ان ينتزع الوقت انتزاعاً ولو لبضع ساعات للاطمئنان علينا، متلهفا لرؤيتنا ويحاول أن يعوضنا عن غيابه بعواطفه واشتياقه ومحبته، ويسمح لنفسه بقسط قليل من الراحة، كنا نسميها استراحة المحارب على دويّ المعارك والاشتباكات. هذه كانت ضريبة النضال، التي كان لا بد لنا من دفعها بكل إيمان وثبات وبروح معنوية عالية، للحفاظ على وجودنا وحماية ثورتنا وتحقيق أهدافنا الوطنية بتحرير الأرض المُغتصبة والعودة إلى ديارنا التي هُجرنا منها قسراً تحت تهديد السلاح. مسيرة نضالية محفوفة بالمخاطر كانت تحتاج إلى شجاعة وجرأة ويقظة وحذر وسرعة بديهة، والانتقال إلى أمكنة أكثر أمناً، حيث كان عامل السرية مهمّا جدا في تحركاتنا.
في الذكرى المئوية لميلاد الحكيم استذكر بداية حياتنا الزوجية، التي كانت عاصفة بالأحداث التاريخية والتجارب الصعبة. في28 سبتمبر/أيلول عام 1961 في بداية حياتنا الزوجية، جاء حدث انفصال الوحدة بين سوريا ومصر، وتلته أحداث كبيرة وانقلابات عسكرية وأحكام إعدام، انعكست على القوى الناصرية المؤيدة للوحدة العربية بين البلدين، واختفى الحكيم لمدة عام تقريبا في ظروف خطيرة، ثم انتقل إلى لبنان.
كان لي شرف المشاركة الحقيقية، في جميع المحطات التاريخية إلى جانب رفيق الدرب الحكيم، الذي عاش ستين عاما من عمره في صراع مرير مع العدو الصهيوني، بكل ما تخلل تلك الحقبة التاريخية من أهوال ومصائب ومعارك طاحنة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، أهمها الاجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني وحصار بيروت لمدة 88 يوما، وخروج المقاومة من لبنان. أحداث مؤلمة لا تعد ولا تحصى من الصعب أن أوجزها في بضع صفحات.
تجربة استثنائية امتدت لعشرات السنين بحلوها ومرها، تعرض فيها الحكيم للعديد من محاولات الاغتيال والاختطاف والاعتقال والملاحقات الأمنية باءت جميعها بالفشل الذريع، أهمها حادث اختطاف طائره الميدل ايست اللبنانية عام 73 وإنزالها في مطار عسكري قرب تل أبيب، لكن الحكيم بعد أن وصل المطار وفي اللحظات الأخيرة، لم يستقل الطائرة، لأسباب أمنية ففشل الموساد في اختطافه.
أما الطائرة الثانية فكانت طائرة خاصة ليبية، وصل على متنها الحكيم مع نائب الرئيس السوري عبد الله الأحمر، وعدد من الشخصيات الفلسطينية إلى طرابلس الغرب، لحضور احتفالات الفاتح وعند عودتها تعرضت للاختطاف من قبل طائرات حربية إسرائيلية أجبرتها على الهبوط في مطار عسكري في حيفا، لكن الحكيم ألغى سفره في اللحظات الأخيرة، ونجا في المرتين بأعجوبة، لأن إسرائيل عن طريق عملائها كانت متأكدة أن الحكيم سيكون من بين الركاب.
رحل الحكيم وبقيت حكمته وتعاليمه وأفكاره ومعتقداته ومبادئه وتجاربه الغنية وسيبقى حاضرا بكل ما تركه من إرث نضالي ومخزون من الوثائق الفكرية والسياسية من وثائق المؤتمرات الحزبية، ومئات الخطابات واللقاءات السياسية والصحافية أثرى بها أدبيات الجبهة الشعبية، وحركة القوميين العرب.

ستبقى الأجيال تقتدي بهذا القائد الاستثنائي والثائر، الذي وهب حياته لرفع الظلم عن شعبه ومحاربة العدو الصهيوني، لإعادة الحقوق التاريخية لشعبنا في فلسطين. رحل الحكيم وقلبه على غزة وأوضاع الضفة كان سؤاله عن غزة آخر ما نطق به في لحظاته الأخيرة. قلت له اطمئنه، يا حكيم إن شعبنا قوي ويستطيع أن يدافع عن نفسه، والمقاومة بخير لا تقلق، واليوم أحمد الله أنه غاب قبل أن يرى كل ما يجري لغزة وشعبها، بعد أن تم تدميرها ومساواتها بالأرض، وتهجير شعبنا ليعيش في الخيام، إن وجدت، وقتل وجرح مئتي ألف من المدنيين العزل معظمهم أطفال بعمر الورود. هذه الجرائم بحق الأبرياء في غزة يجب أن تتوقف فورا، وعلى مجرمي الحرب أن ينالوا عقابهم، وعلى جيش العدو النازي أن ينسحب فورا ويترك غزة لأهلها الذين ارتوت الأرض بدمائهم ودماء أبنائهم، فهم أولى بحكم غزة وإعادة إعمارها، بمساعدة جميع الدول الحرة والمساندة للقضية الفلسطينية، وعلى رأسها الدول العربية، لإنقاذ غزة والضفة الغربية.
كفى إجراما وغطرسة وظلما واستهتارا بأرواح الأبرياء من شعبنا. إن المقاومة وجدت لتبقى للدفاع عن شعبنا ووجودنا ولتحرير الأرض المحتلة من براثن الصهاينة، وهذا حق أقرته جميع المواثيق والأعراف الدولية. يطالبون بنزع سلاح المقاومة، والعدو الصهيوني يمتلك أكبر ترسانة عسكرية وأسلحة متطورة فتاكة تنهمر فوق رؤوس المدنيين وخيامهم وبيوتهم، وتبيد شعبا بأكمله. إن بحرا من الدماء الطاهرة يفصل بيننا وبين هذا العدو المجرم، وعليه أن يدفع ثمن جرائمه وأن لا يفلت من العقاب. لا تعايش مع هذا الاحتلال المجرم السفاح، ولا مفاوضات، ولا تسويات غير منصفة في ظل اختلال موازين القوى.
أما ما يجري في الضفة الغربية أيضا من انتهاكات على يد المستوطنين المدججين بالسلاح، ومصادرة الأراضي وتهويدها، وإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية، وهدم البيوت، واعتقال وقتل مئات من المواطنين العُزَّل، تمهيدا لضم الضفة الغربية، مع أنهم بعد اتفاقيات أوسلو المشؤومة يسيطرون أمنيا على معظم أنحاء الضفة، وما شهدناه في المدة الأخيرة من تدمير للمخيمات ونزوح وتشريد لأكثر من 80000 عائلة فلسطينية، هذا أكبر دليل ساطع على أن إسرائيل ترفض فكرة إقامة دولة فلسطينية ولم تبقِ مكانا لها على الأرض.
تحية إجلال إلى جميع القوى المساندة لشعبنا ولثورتنا ولحقوقنا التاريخية في فلسطين، تحية إكبار وإجلال إلى روح الحكيم في الذكرى المئوية لميلاده.
المجد كل المجد لأرواح الشهداء الأبرار، ستبقى ذكراهم حيّة في ضمائرنا وفي وجدان شعبنا وأمتنا، إن النصر آتٍ لا محالة.



