مقالات

في ذكرى ثورة 23 العظيمة.. الوحدة أم الإتحاد؟!

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
“الوحدة” أم “الإتحاد”.. بين كونها مبنية على الحلم وكونها مبنية على الواقع؟!. السؤال الملحّ في هذه الأيام، بخاصة ونحن على أبواب الذكرى السنوية لثورة الثالث والعشرين من “يوليو”/ تموز المجيدة في القطر العربي المصري، بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

ذلك الحدث الذي ارتبط في وعينا نحن جيل الثمانينات وما فوق، مِمّن لم يعش ذلك الحدث العظيم ويعاصره، ومنذ تفتح وعينا على الفكر القومي والحركة القومية وانتمائنا لها تنظيميا، على الآمال والأحلام والطموحات بوحدة عربية شاملة، تعيد لأمتنا هويتها وأمجادها،وتحقق لها أهدافها وغاياتها النبيلة (حلمها العظيم).
ومن دون الدخول في تفاصيل ذلك الحدث، وما حققه على مستوى القطر المصري والأمة العربية والإسلامية والعالم، إيجابا أو سلبا، نقدا بناء أو العكس، أود التطرّق هنا إلى مسألة غاية في الأهمية، وبخاصة لما آلت إليه أمتنا العربية في الوقت الحالي من تفتت وتمزق وشرذمة، ليس على مستوى الأمة بل على مستوى الاقطار فيها، من تفتيت وتمزيق للكيان الإجتماعي لتلك الاقطار، وفقا لقاعدة تفتيت المفتت وتمزيق الممزق، ليس على المستوى الجغرافي (الأرض) لها، بل أيضا على المستوى الإجتماعي، نسيجا وماهية، ليشمل ذلك التفتيت وذلك التمزيق كل المستويات فيها ولها، جغرافيا واجتماعيا وسياسيا وهوية.. وهذا، للأسف الشديد، هو واقعنا كأقطار وكأمة..
تلك المسألة التي أود التطرّق إليها، هي مسألة “الوحدة ” أم ” الإتحاد “، كخيارين للخروج مما نحن فيه وعليه كأمة عموما.. وما جعلني اتطرق إلى هذه المسألة، بغض النظر عن رأيي الشخصي وقناعاتي الشخصية، هو الاستطلاع الأول الذي نشر على إحدى المنصات الإلكترونية لوسائل التواصل الاجتماعي الإفتراضية، كمنصة جديدة حديثة النشأة، تهتم بالشأن العروبي بحسب رسالتها.. ذلك الاستطلاع الذي جاء منطوقه على النحو التالي:
هل تؤيد فكرة “الإتحاد العربي”؟!
* نعم، وفق نموذج الإتحاد الأوروبي
* نعم، وفق نموذج الولايات المتحدة
* لا أؤيد الفكرة..
وعليه، وبناء على ما سبق ذكره، وعلى ما جاء في ذلك الاستطلاع، فإنني أتساءل هنا: لماذا تمّ حصر هذا الاستطلاع في هذين النموذجين؟
ألا توجد نماذج أخرى غيرهما؟
ألا يوجد فرق كبير بين “الوحدة” و”الإتحاد” كمصطلحان؟!
وهل من وضع هذا الاستطلاع، تخلّى عن فكرة “الوحدة” واقتنع بفكرة “الإتحاد”؟!
ولو سلمنا جدلا، بأنه لا يوجد أمامنا من خيار كأمة غير هذين الخيارين.. هل وصلت الأوضاع في أمتنا كأقطار عربية إلى ما وصلت إليه الدول المكونة للإتحاد الأوروبي؟!
وهل وضعنا يشبه الوضع الأميركي، سواء في بدايته أو الحالي، حتى يطرحان كنموذجين هنا؟
حيث أن الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، لم يصيرا كما هما عليه الآن، إلا بعد توفر الشروط الذاتية والموضوعية لهما، وعبر مسيرة تاريخية ممتدة عبر عقود كثيرة (الإتحاد الأوروبي) وقرون كثيرة (الولايات المتحدة الأمريكية)، متتالية ومتتابعة ومنظمة ومتراكمة ومترابطة مع بعضها البعض..
فمثلا:
إن الإتحاد الأوروبي، لم يرَ النور إلى بعد أن استكملت الدولة المدنية الحديثة، جميع ركائزها الأساسية في تلك الدول المؤسسة له، كحاجة ماسة وضرورية لها، بخاصة بعد العديد والعديد العديد من الكوارث والصراعات بين دولِه وعلى مستوى البلد الواحد فيه، وكذلك بعد سلسلة طويلة إمتدت عبر قرون من تلك المحاولات لتوحيد أوروبا، إبتداء من انهيار الإمبراطورية الرومانية القديمة حتى وقتنا الحاضر..
حيث اثمرت تلك المحاولات أخيرا على تأسيس ذلك الإتحاد، كواقع عملي في العام 1991 م. بناء على اتفاقية معروفة باسم “معاهدة ماستريخت الموقعة عام 1991″، لكن العديد من أفكاره كانت موجودة فعليا منذ خمسينات القرن الماضي.
فـ”بعد كوارث الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، ازدادت بشدّة ضرورات تأسيس ما عرف فيما بعد باسم الاتحاد الأوروبي. مدفوعا بالرغبة في إعادة بناء أوروبا ومن أجل القضاء على احتمال وقوع حرب شاملة أخرى. أدى هذا الشعور في النهاية إلى تشكيل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951، على يد كل من ألمانيا (الغربية)، فرنسا، إيطاليا ودول بينيلوكس (benelux) (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ).
وعرفت أول وحدة جمركية بالأصل باسم المؤسسة الاقتصادية الأوروبية (European Economic Community)، وتسمى في المملكة المتحدة بشكل غير رسمي بـ”السوق المشتركة”، تأسست في اتفاقية روما للعام 1957 وطبقت في 1 يناير كانون ثاني 1958. هذا التغيير اللاحق للمؤسسة الأوروبية يشكل العماد الأول للإتحاد الأوروبي. تطور الاتحاد الأوروبي من جسم تبادل تجاري إلى شراكة اقتصادية وسياسية”.
وهكذا كان الحال بالنسبة لـ”الولايات المتحدة الأمريكية”.
ألسنا كمجتمعات عربية وكدول قطرية بعيدين كل البعد عن تلك الشروط الذاتية والموضوعية التي يجب أن تتوفر، حتى نكون كتلك الدول المكونة للإتحاد الأوروبي ولأميركا!
ألسنا كمجتمعات عربية وكدول قطرية، ما نزال بعيدين كل البعد عن وجود الدولة القطرية كمفهوم صحيح وكواقع حقيقي للدولة؟!
وغيرها وغيرها.. وغيرها الكثير، والكثير، من تلك الأسئلة وتلك التساؤلات التي تفرض نفسها هنا..
اعتقد ان من وضع هذا الاستطلاع، كان غير موفق في طرحه هنا، فنحن ما نزال كمجتمعات عربية وكدول قطرية مجتمعات ودول، لم توجد فيها وبها تلك الشروط الذاتية والموضوعية لكي تكون دولا حقيقية كدول الإتحاد الأوروبي وكدولة أميركا، حتى نطرح مثل هكذا سؤال لهكذا استبيان..
صحيح، بل من المؤكد، أن كلا منا يحلم بالوحدة العربية أو الإتحاد العربي، لكن الصحيح أيضا أنه يجب علينا الإجابة على السؤال: (لماذا نحن هكذا؟)، فنحن لسنا في وضع يسمح لنا كواقع أن نطرح مثل هكذا استطلاع، أما إذا كان طرح هذا الاستطلاع من باب الحلم، فعلينا أن نحلم بـ”الوحدة” وليس بـ”الإتحاد”، وأن يكون النموذج نموذجا خاصا بنا نابعا من واقعنا نحن..
شخصيا، أفضل العيش في بقعة جغرافية مع توفر حقوقي الإنسانية، كرامة وحرية وعدالة ومساواة.. ولو كانت تلك البقعة الجغرافية صغيرة الحجم، على العيش في بقعة جغرافية لا تتوفر فيها تلك الحقوق.. ولو كانت مترامية الأطراف وكثيرة الإتساع،.
أما إذا وجدت تلك الحقوق.. وتلك البقعة الجغرافية المترامية والكثيرة الإتساع.. فذلك والله ما أحلم به واتمناه، قال تعالى في كتابه الكريم:
“… فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ..”..
وقال أيضا:
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”. صدق الله العظيم.
هنا قال: “لتعارفوا”، وليس لتتقاتلوا..
الخلاصة
إن بناء الدولة الوطنية القطرية في كل قطر من أقطار أمتنا، كدولة قطرية مدنية حديثة بجميع ركائزها الأساسية والجوهرية والرئيسية، القائمة على إحترام الإنسان الفرد والإنسان المجتمع فيها، وتوفير جميع حقوقه الإنسانيه كاملة غير منقوصة، واقعا معاشا وملموسا لا حلما طوباويا، هي الركيزة الأساسية والجوهرية والرئيسية لتكامل عربي مشترك، سواء كان ذلك التكامل “وحدة” أو “إتحادا” أو أيّ مُسمّى آخر..
لكن، يبدو لي، وإزاء ما نحن فيه وعليه كواقع حالي لأمتنا، أن تلك الدولة المدنية الحديثة بركائزها الأساسية.. ما تزال بعيدة كل البعد عنا، ليس كواقع مادي فقط بل، وللأسف مرحليًا، كفكرة لدى من تسمي نفسها بـ”النخبة..”، وما يزال أمامنا الكثير الكثير، لكي نصل إلى تلك الفكرة ونقتنع بها..
بل يبدو، بل أكيد، وهذه هي قناعتي الشخصية، أن من يسمون أنفسهم بالمفكرين والمثقفين والادباء والناشطين السياسيين (النخبة!) من جيل الستينات والسبعينات، وبخاصة التيار القومي والماركسي، ما يزالوا أسرى الوهم “الأيديولوجي”، ولم يستطيعوا تجاوزه حتى الآن، بعيدين كل البعد عن الواقع الحقيقي للأقطار وللأمة، هذا إن لم يكن الكثير والكثير منهم قد وقع في براثين ومستنقعات تلك الأنظمة الرجعية التي وقفت، وعبر تاريخها، ضدّ أيّ محاولة جادة في سبيل الوحدة العربية، واجهضتها، وما الوحدة المصرية/ السورية في العام 1958 م. من القرن الماضي، إلا خير دليل وأنصع برهان وأقوى حجة دامغة على ذلك كله..
فهي، أي تلك الأنظمة الرجعية، لا يمكن لها أن تتحول فجأة إلى أنظمة وحدوية تدعم التوجه الوحدوي العروبي، ولا يمكن لها بأن تكون كذلك، ناهيك عن تلك الأنظمة الاستبدادية الاستعبادية التسلطية والطغيانية تحت أي مسمى آخر..
هذا ما تعبر عنه كل تلك الكتابات الصادرة عنهم، هنا وهناك، وبين الفينة والأخرى، بل ووقوفهم مع تلك الأنظمة.. ودعمهم ومساندتهم لها، وفي هذه الحالة لا “وحدة” بهم وفيهم وبها وفيها تتحقق.. ولا “إتحاد” يُنجز..
معا.. وسويا.. بكم أنتم وبأمثالكم، لا بهم.. وبأمثالهم.. يتجدد الأمل.. ويتحقق حلم الحالم بوحدة أمتة العربية، وحدة حقيقية.. لا إتحادا.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى