قراءة تاريخية في تجارب التحرر العربي

خاص “المدارنت”
ليس من الدقة التاريخية اختزال تجربة جمال عبد الناصر، أو تجارب الحركات القومية العربية، في مقولة إنها اهتمت بالعدالة الاجتماعية وأهملت الحرية. فقبل إصدار الأحكام، ينبغي أولاً وضع تلك التجارب في سياقها التاريخي الحقيقي.
كانت تلك المرحلة مرحلة تحرر وطني وقومي بامتياز؛ مرحلة شعوب كانت تخرج من الاستعمار المباشر، وتواجه الهيمنة الأجنبية والتبعية الاقتصادية، وتعيش في ظل بنى اجتماعية وسياسية موروثة، كان الإقطاع واحتكار الثروة والسلطة من أبرز سماتها.
كما كانت تلك المجتمعات تعاني من نسب مرتفعة من الأمية، ومن ضعف التعليم وانتشار الفقر والجهل والتخلف الاجتماعي والسياسي، فيما كانت مؤسسات الدولة الحديثة نفسها لا تزال في بدايات تشكلها. ولذلك لم تكن معركة التحرر مقتصرة على طرد الاستعمار أو تحقيق الاستقلال السياسي، بل كانت أيضاً معركة لبناء الإنسان، ونشر التعليم، ومواجهة الأمية، وتحديث المجتمع، وبناء مؤسسات الدولة.
لذلك كانت معركة الاستقلال الوطني، وبناء الدولة، والتحرر من السيطرة الأجنبية، وكسر احتكار الأرض والثروة، ومواجهة الأمية والتخلف، هي المعركة المركزية التي فرضها التاريخ على تلك الأجيال.
الحرية، في ذلك السياق، لم تكن تعني فقط حرية الفرد في مواجهة السلطة، كما نفهمها اليوم في النقاش السياسي، بل كانت تعني أيضاً تحرير الوطن من الاستعمار، وتحرير الفلاح من الإقطاع، وتحرير الاقتصاد من التبعية، وتحرير الإنسان من الجهل والأمية، وتحرير القرار الوطني من الوصاية الأجنبية.
وهنا لا بد من التمييز بين نقد التجربة واختزالها. فلا أحد يستطيع أن ينكر أن تلك الأنظمة أخفقت في بناء حياة سياسية حرة، وأنها قيّدت المشاركة وأخضعت المجتمع لسلطة التنظيم الواحد أو الدولة المركزية. لكن من غير المنصف أيضاً تجاهل أن مفهوم الحرية نفسه كان، في تلك المرحلة، مرتبطاً بمعركة التحرر الوطني والاجتماعي وببناء مجتمع قادر على ممارسة الحرية.
فما قيمة الحرية السياسية لفلاح لا يملك أرضه؟ وما قيمة حرية الاختيار لإنسان لا يستطيع القراءة أو لا يجد مدرسة يتعلم فيها؟ وما قيمة الديمقراطية لشعب لا يملك قراره الوطني، أو لدولة يتحكم في اقتصادها وسياساتها نفوذ أجنبي أو طبقات احتكرت الثروة والسلطة؟
لم تكن العدالة الاجتماعية، بالنسبة إلى المشروع القومي العربي، نقيضاً للحرية، بل كانت أحد شروطها، كما كان التعليم ومحو الأمية وبناء الإنسان من شروط ممارستها. فالإنسان المحاصر بالفقر والجهل والتبعية لا يمتلك، بالضرورة، القدرة الحقيقية على ممارسة حرية واعية.
وهذا لا يعني، بالطبع، أن تقييد الحريات السياسية يمكن تبريره أو تجاهله. فالمشكلة الحقيقية بدأت عندما لم تستطع تلك التجارب، أو لم تسمح لنفسها، بتطوير مفهوم الحرية والانتقال من مرحلة حركة التحرر إلى مرحلة بناء الدولة والمؤسسات والقانون والمشاركة السياسية.
فالعدالة بلا حرية قد تتحول إلى وصاية تمارسها الدولة باسم الشعب، كما أن الحرية بلا عدالة اجتماعية ومعرفة ووعي قد تتحول إلى امتياز يحمي الأقوياء ويكرّس الفوارق.
ولهذا، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي أن نفهم أن سؤال تلك المرحلة كان أولاً: كيف نتحرر؟|
من الاستعمار، ومن التبعية، ومن الإقطاع، ومن احتكار الثروة والسلطة، ومن الجهل والأمية والتخلف.
أما السؤال الذي بقي مفتوحاً بعد ذلك فهو: كيف ننتقل من التحرر إلى الحرية؟ وكيف تتحول حركة التحرر إلى دولة مؤسسات وقانون ومشاركة سياسية؟
هنا، تحديداً، تكمن إحدى أهم الإشكاليات التي واجهت التجارب القومية العربية، وهنا أيضاً يجب أن يبدأ نقدها الحقيقي.
فالإنصاف لا يقتضي تقديس تلك التجارب، كما لا يقتضي جلدها بأثر رجعي. بل يقتضي أن نقرأها في زمنها، وأن نرى ما أنجزته وما أخفقت فيه، وأن ندرك أن بناء الحرية لم يكن منفصلاً عن معركة بناء الإنسان والدولة والاستقلال.
لقد كانت تلك الأجيال تخوض معركة التحرر، أما مهمتنا اليوم فهي أن نفكر في كيفية استكمال ذلك التحرر بالحرية؛ حرية الإنسان، وحرية المجتمع، وحرية السياسة، في إطار دولة القانون والمؤسسات.



