كيف كان عبد الناصر يصنع قراره؟

“المدارنت”
خلافا للانطباع السائد، لم يكن الرئيس جمال عبدالناصر، يتخذ قراراته بالحدس والغريزة والاندفاع، كما يتصور كثيرون. وبالمثل لم يكن الرئيس السادات يعكف على دراسة قراراته، مدققا في أبعادها مستوفيا جوانبها قبل أن يقدم عليها.
بل ربما العكس تماما هو الذي جرى!
وكلاهما، رحمهما الله، ما يزال حاضرا في المشهد العام بإرثه ومداخلاته في بنية الدولة المصرية وطريقة تفكيرها وطبيعة خياراتها الكبرى والصغرى. والتي تبدأ بالسياسة الإقليمية لمصر وطبيعة موقعها من القوى العالمية، ولا تنتهي بآليات اختيار كبار موظفي الدولة وآليات هندسة وضعها الداخلى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
ففي مذكرات السيد «سامي شرف» أنه توجه للقاء الرئيس ناصر عام 1955، ليبدأ عمله معه سكرتيرا للمعلومات. وكانت توجيهات عبد الناصر منظمة وصارمة ومتبلورة في ذهنه.
وأبرزها، وفقا لمذكرات شرف، أن ناصر طلب وضع أسلوب ميسر لتصنيف وتبويب المعلومات وترتيبها وفقا لأولوياتها. كما شدد ناصر على أنه لا يجوز عرض أي ورقة تبدأ بعبارات مثل «نمي لعلمنا» أو «يقال»، أو «يشاع» إلا إذا كان التقرير عن الشائعات. وأكد أن ما يجب عرضه فقط هو ما يندرج تحت مفهوم المعلومة المحققة مثل الواقعة كذا حدثت في الساعة كذا والمكان كذا. وأمر بإعادة ما يخالف ذلك للجهة التي أرسلته أو إهماله كلية.
ثم طلب ناصر من شرف تكامل المعلومات الصالحة للعرض على الرئيس وتدعيمها بالآراء الفنية وعدم التسرع في عرض معلومات ناقصة قد تقود إلى اتخاذ قرار متعجل أو خاطئ.
ويشير شرف إلى أن ناصر كان يتابع بنفسه الإذاعات العالمية وإذاعة الشرق الأدنى من قبرص التي كانت لسان الاستعمار البريطاني، ويتابع الصحف اللبنانية بدقة ويقرأ الصحف البريطانية والأمريكية بنهم.
فضلا عن توفره على عدد من المعلومات من مصادر مختلفة، بعضها قائم على روافد خاصة.
وقد حمل واحد من التسجيلات، التي خرجت مؤخرا للرئيس ناصر على قناته على “يوتيوب”، هذا الملمح في كلامه، وهو يتحدث عن تفاصيل يعزو بعضها للتقارير الصادرة عن مؤسسات الدولة وبعضها للمنشور في صحف أجنبية، وأحيانا يتكلم عن «مصادرنا» في المكان الفلاني، في إشارة لما يمكن فهم أنها معلومة ناجمة عن جهود استخباراتية.
لقد كان ناصر مهووسًا بالمعلومات، ويحرص على استيفائها من مصادر متعددة، في إدراك مبكر وناضج لاختلاف حجية المعلومة الصادرة عن كل طرف، وفي متابعة حثيثة لقضاياه الملحة.
ولربما كان طابعه الذي يرتاب كثيرا ويشك كثيرا، يدفعه دفعا لاستيفاء صورة كاملة تتعضد شواهدها من أكثر من رافد. وهذا الطبع لم يكن ليعمل بهذه الصورة المنظمة لو لم يوافِ عقلا منظما كعقله.
أما الرئيس السادات، فوفقا لمذكرات معظم من تعاملوا معه، سيما من الديبلوماسيّين الذين خاضوا ترتيبات اتفاق السلام، كان مندفعا بعض الشيء ويراهن على شيء ما في ذهنه هو يدركه بالحدس لا بالبناء المعلوماتي أو التقدير التحليلي الطبيعي.
لقد كان هو شخصيا الخطة والاستراتيجية، وكانت ذاته بقدرتها على عقد تحالفات والتنصل منها، هي التي تقوده وتعطيه حسا بالأمان وقابلية للتنصل من أي مسار إذا أراد. ولم يكن يعدم الحجة والحيلة في كل مرة.

بل في معايشته له عن قرب، يورد الكاتب أحمد بهاء الدين في كتابه «محاوراتي مع السادات» صورة للرئيس يبدو معها غير ملم تماما في بعض الأحيان بطبيعة القرار الاقتصادى ومتطلباته، مندفعا وراء غريزته السياسية، مسيئا تقدير المعلومات والمواقيت الضرورية لإنجاز الأشياء.
والمسألة في مقارنة كليهما ببعضهما ليست انتصارا لهذا ولا عيبا في ذاك. سيما أن السادات الذي كان أقرب للارتجال والحيدة المفاجئة عن وجهاته المفترضة، تمكن من قيادة الجيش في حرب أكتوبر بخطة شديدة الدقة والتنظيم والمهارة. في حين لم تنقذ معلوماتية عبد الناصر دولته من النكسة المروّعة التى جرت. ولم تنقذ ضحايا ستينياته من قبضة أمنية مرهقة ومتغولة عملت بطريقة «نمي إلى علمنا» التي كان يرفضها ناصر في التقارير المعروضة عليه شخصيا.
ولا أعني أن ناصرا كان منظما طوال الوقت، والسادات فوضويا في معظم حياته، بل في هذه المفارقة التي تجعل الرجل الثوري الذي ساند حركات التحرر الوطني وحارب الاستعمار تحليليا عقلانيا براجماتيا، يدرك جيدا ما الذي يفعله وأين وكيف.
وأن الرجل الذي أزاح في أوائل أيامه في الرئاسة كومة الأوراق اليومية التي جاءته، كما كان الحال مع سلفه ناصر، أكد لمكتبه الرئاسي آنذاك أن هذه الأوراق هي التى قتلت عبد الناصر!
لقد كان السادات يلهث وراء إلهامه الداخلي وخبيئة نفسه وما تمليه عليه تجاربه القاسية في الحياة، بأكثر مما كان يحترم الورق والدراسة والتقدير وبأكثر مما كان يستوفي صورة شاملة قبل الإقدام على أفعاله. وهو لربما ما أدى لمشهد وفاته المفجع والمؤثر.
ولعل في هذا الكم الهائل في مذكرات من تعاملوا مع كليهما فرصة بأثر رجعي لدراسة طريقة اتخاذ القرار في مصر تاريخيا، ورصد آثار وبقايا هذه الطرق ومدى استمرارها لليوم، متأثرة بطبائع شخصية كانت هي التي تصيغ قبل أكثر من سبعين عاما جوانب من ملامح الطريق الذى مازلنا نمضي فيه إلى الآن.



