كيف يمكن إكراه أميركا على وقف الحرب؟!

“المدارنت”..
قبل ساعات معدودة من انتهاء الهدنة في حرب الإبادة على غزة، أكد ناطق باسم البيت الأبيض أنه «إذا قررت إسرائيل (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة) العودة إلى ضرب (حركة) “حماس”، فسنواصل دعمنا لها في ذلك».
وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن، سارع، بعدما حطّت طائرته في مطار تل أبيب، إلى المشاركة في اجتماع «كابينت الحرب» “الإسرائيلي” (الإرهابي الصهيوني) ليؤكد لأعضائه دعم البيت الأبيض المستمر لـِ»إسرائيل» في حربها على قطاع غزة.
سؤال يطرح نفسه: لماذا تشارك الولايات المتحدة في هذه الحرب الهمجية التي تشنها «إسرائيل» بلا هوادة؟ الجواب: لأنها، كما «إسرائيل»، تشعر بأن طوفان الأقصى وانعكاساته اللاحقة على الكيان الصهيوني والمنطقة يشكّل تهديداً وجودياً لنفوذها ومصالحها في غرب آسيا.
لكلِّ حرب نهاية، ولا شك في أن إنهاء الحرب “الإسرائيلية”/ الأميركية على قطاع غزة، اليوم قبل الغد، يشكّل انتصاراً مدويّاً لحماس وحليفاتها.
هل تطول الحرب؟
وزير الحرب “الإسرائيلي” (الأإرهابي الصهيوني) يوآف غالنت، قال لوزير الخارجية الأميركي: «لا أعتقد أن التزامنا بالنصر مرتبط بالوقت، سنستمر حتى ندمّر قدرات “حماس”، ونعيد جميع المختطفين».
تقارير إعلامية من داخل كيان الاحتلال، أشارت إلى أن بلينكن، لم يعترض على أقوال غالنت، ربما لعلمه أنه ما كان ليتفوّه بها لولا وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب على الاستمرار في الحرب، لغاية تحقيق ما رسما لها من أهداف. مع ذلك، تظاهر بلينكن بالحرص على حقوق الإنسان بالحديث عن «ضرورة منع ترحيل سكان غزة من منازلهم في جنوب القطاع». جنوب القطاع؟ هل ذلك يعني أن لا مانعَ أميركيًا من ترحيل السكان في شمال القطاع؟ ذلك أن كثيراً من سكان مدينة غزة الذين اضطروا تحت وطأة الحرب الهمجية، إلى النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه، ثم عادوا إلى غزة أثناء فترة الهدنة، قرروا البقاء فيها حتى لو عادت «إسرائيل» إلى استئناف حربها.
هنا ينتصب سؤال: ما موقف المقاومة في غزة، بعدما استأنفت «اسرائيل» حربها؟ الجواب ذاته كان وما يزال يتكرر على ألسنة قادة «حماس»، وسائر فصائل المقاومة الفلسطينية المتلاحمة معها في القتال ضد العدو الصهيوني: “نحن صامدون في أرضنا ومستمرون في مواجهة العدو مهما طالت الحرب”.
لكن لكلِّ حرب نهاية، ولا شك في أن إنهاء الحرب الإسرائيلية/ الأميركية على قطاع غزة، اليوم قبل الغد، يشكّل انتصاراً مدويّاً لـ”حماس” وحليفاتها، فكيف السبيل إلى تحقيق ذلك؟ صحيح أن فصائل المقاومة في قطاع غزة صامدة وتقاتل بجسارةٍ وشراسة، لكن انتصارها على عدو صهيوني، تشاطره القتال وتسخو في دعمه لوجستياً إحدى أقوى دول العالم، يتطلّب في المقابل حلفاء يشاطرونها قتالها الضاري المتواصل ضد العدو، ويمدونها بالدعم اللوجستي والعسكري، فمن تراهم يكونون؟ إنهم بلا مواربة أطراف محور المقاومة، هؤلاء يجمعهم بالمقاومة الفلسطينية قبل الحرب، وبعدها تحالف معلن وقيادة عسكرية مشتركة وأهداف سياسية متكاملة، وهم يعرفون دونما شك أن انتصار «إسرائيل»، ومن ورائها أميركا، في الحرب، يعني بالتأكيد أن الدور سيأتي عليهم لاحقاً، فلا يعقل أن يتركوا المقاومة الفلسطينية وحدها تواجه الخطر الماثل والمتواصل.
قد ينبري واحدٌ أو اكثر من حلفاء الولايات المتحدة أو وكلائها في لبنان والمنطقة، ليذكّر المقاومة، بالقواعد العسكرية الأميركية في العراق وسوريا والبحرين وقطر، وبأساطيلها البحرية وحاملات طائراتها المنتشرة في شرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وليحذّر من أن أميركا لن تتوانى عن التدخل عسكرياً وميدانياً بلا تردد إلى جانب «إسرائيل»، بما هي أهم قاعدة عسكرية لها في غرب آسيا، إذا ما قررت أطراف محور المقاومة مساندة المقاومة الفلسطينية عسكرياً، بغية الحؤول دون افتراسها من قِبَل التحالف الإسرائيلي/ الأميركي.
الحقيقة أن تدخل أمريكا إلى جانب «إسرائيل»، حاصل قبل الحرب وأثنائها، وقوامه حتى الآن، مساندة سخية لوجستية ومالية وسياسية، وقد يتطور من حال الشريك الأساس في الحرب مداورةً إلى حال الشريك مباشرةً، غير أن دون ذلك محاذير ومخاطر عدّة، أهمها خمسة:
أولها، ضيق هامش المناورة أمام الرئيس الأميركي جو بايدن، في سنة الانتخابات الرئاسية الأميركية المصحوبة بتعاظم التظاهرات الشعبية المؤيدة لحق الشعب الفلسطيني بالحرية وتقرير المصير، والرفض القاطع لمزيد من الدعم المالي والسياسي للعدوان “الإسرائيلي” على قطاع غزة والضفة الغربية، وسط تضخم متفاقم يضرب الولايات المتحدة في هذه الآونة.
ثانيها، تعاظم التعاطف والتأييد الشعبي في كل أنحاء العالم، ولا سيما في دول غرب أوروبا، للشعب الفلسطيني المعتدى عليه، وتصاعد المطالبة تالياً بوقف الحرب.
ثالثها، مخاطر إحراج أميركا للدول العربية المتحالفة معها، ما يضطر الأخيرة تحت ضغط الرأي العام في بلادها إلى التملّص من المكاسب التي حققتها واشنطن خلال الأعوام الماضية، وفي مقدّمها حملة التطبيع مع «إسرائيل».
رابعها، اغتنام الصين وروسيا، فرصة معاداة أميركا للرأي العام في كل أنحاء القارة العربية، للقيام بتعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدول العربية الممتعضة من الدعم الأميركي الهائل لـ»إسرائيل»، والعمل تالياً على إجلاء نفوذ واشنطن ومصالحها عن مختلف دول غرب آسيا في سياق مسارٍ للحلول محلها.
خامسها، وربما أكثرها خطورة، التسبّب في تعزيز نفوذ إيران، في العالم العربي عموماً؛ وفي دول العراق وسوريا ولبنان ومصر والأردن؛ خصوصاً، واحتمال تهديد بقاء القواعد العسكرية الأميركية في العراق وسوريا والخليج.
كل هذه المخاطر والمحاذير قد لا تنفع، على الأرجح، في إنقاذ «إسرائيل»؛ من معمعة حربٍ تبدو أنها تتطور إلى حرب إقليمية؛ لن تتوانى معها وخلالها أطراف محور المقاومة؛ عن نصرة المقاومة الفلسطينية عسكرياً، في إطار معادلة التناسب والضرورة، وذلك بالاشتراك ميدانياً فيها من قُربٍ أو من بُعدٍ، بغية إكراه أميركا على وقف الحرب؛ ومنعها من استغلال تداعياتها اللاحقة.
المصدر: موقع “المجد”



