لا إكراه في الدين

خاص “المدارنت”
يعتمِد الخطاب القرآنيّ لغةَ الترغيب والترهيب لبلوغ الهدف الأسمى وهو الإيمان بالله ورسُلِهِ وملائكتِهِ وكتُبِهِ واليوم الآخِر والقدَر، خيرِهِ وشرِّه، والتمسُّك بالمُثُل العليا والأخلاق وتحقيق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والعقل، إلى جانب حفظ النسل والمال من أجل تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة.. يأتي الترغيب في آيات كثيرة مصحوبًا بالثواب في الدنيا والآخرة ودالًّا الإنسان على طريق الخير والصلاح والإصلاح واعدًا إيّاه بالجنة والنعيم:
قال تعالى: “وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين”، “أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاما”، “وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِم”، “فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم”، “مَّن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا”، “وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون”.
ثمّ قال تعالى في آيات الترهيب (الوعيد والعذاب):
“وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِين”، “تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَة”. ثمّ نرى آيات يقترن فيها الترغيب والترهيب.. “وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَاب”، “إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيم”، “نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيم”.
هي منظومة آيات تدعو الإنسان إلى إعمال العقل في جوهر وجودِه في الأرض ومآلات مساراتِه في حال طاعته لأوامر الله ونواهيه أو عصيانه له ولنداءاتِه الهادفة الى هدايته وخلاصه من دروب الضلال.
ثمّ بعد ذلك كلِّه يخيِّر الله الناس، بعدما أوضح لهم طريق الإيمان وطريق الكفر، ليكونوا أحرارًا في سلوك النهج الذي يريدون: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم”.
علاوةً على ذلك، يأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بعدم التدخُّل في خيارات الناس: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ *إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ* فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَر”، “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِين”.
نخلص إلى القول: إنّ الخطاب الإسلاميّ لا يُكرِه الإنسان على شيء، وإنّما يُنير له الدرب بالكشف عن مسارات الحياة؛ ونتائج سلوك تلك المسارات، وله أن يختار: إمّا جنّة عرضُها السماوات والأرض أو جهنّة وقودُها الناس والحجارة ..



