مقالات
لبنان بين “الفيدراليّة” والتقسيم..!

خاص “المدارنت”..
يشهد مصير لبنان، في المنعطفات التاريخيّة، نقاشًا واسعًا يتحوّل عادة الى حروب أهليّة، تدمِّر البلاد، وتشرِّد العباد، الى ان تتداعى الدول المعنيّة الى عقد المؤتمرات، وإيجاد التسويات، التي أثبتت التجارب المتكرِّرة انها ليست أكثر من مُهَدِّئات، يطول مفعولها او يقصر، الى ان تسمح الظروف الدوليّة والاقليميّة بفتح الملفّات من جديد.
في كلّ مرّة يتازّم الوضع كان الناس، يلقون بالتُهم على الاستعمار، المتآمر دائمًا، ثم على الصهيونيّة العالميّة، واربابها الذين يتربّصون بكلّ الدول العربيّة، لاحداث الفتن والحروب والفوضى خدمةً للمشروع الصهيونيّ المتمَثِّل باسرائيل. لكن، هذه المرّة، لم يعُد بإمكان احد أن يُلقي بالاتهامات يمينًا او يسارًا؛ إذ ثبت، بما لا يدع مجالًا للشكّ، أنّ الطبقة السياسيّة الحاكمة هي المتآمرة على مصير البلاد والعباد، عندما نهبت المال العام، بشكل مُنَظَّم، وهرَّبَته على رؤوس الأشهاد، الى خارج البلاد، حيث تنعم بالتسهيلات والاستثمارات.
هذه المرّة، تآمر أبناء البلد، على تاريخ وحاضر ومستقبل بلدهم، ولقمة عيش شعبهم، فافقروا الناس، وأذلّوهم في طوابير العَوَز والحاجة، وجعلوا حياتَهم في جحيم لا يطاق!
هذه المرّة، تطرح الفتن والحروب نفسها من دون “مؤامرات خارجيّة”، ومن دون “امبرياليّة وصهيونيّة عالميّة”، كي يستخدمها الحكّام شمّاعة يعلِّقون عليها جرائمَهم بحق شعبهم، المقيم والمغترب، الذي نهبوا أموال دولته العامّة، وامواله الخاصّة، التي أفنى العمر في تحصيلها، وايداعها في المصارف التي كانت تعتَبر من أنجح ما في العالم، ومن أكثرها أمانا..
هذه المرّة، يختلف الأمر عن سابقاتها، لأنّ ما كان يعتمل في نفوس سكّان لبنان، منذ عشرات السنين، عاد ليطفو على سطح الأحداث المليئة بمآسي الناس، وفقرهم وحاجتهم. لقد عادت دعوات التقسيم المغلّفة بالفيدراليّة، لتكون الحلّ الأمثل لما آل اليه الوضع من خيبة وانهيار.
كثير من المسيحيّين، ما زالوا يحلمون بمشروع التقسيم، ويسعون الى انشاء لبنان المسيحيّ، وكثير من السنّة، تخلّوا عن حلمهم في وطن عربيّ واحد، ووحدة عربيّة، ويسعون الى الالتحاق بتركيّا و”خلافتها الاسلاميّة المزعومة”، وكثير من الشيعة، يرون مصلحتهم ومرجعيّتهم في ولاية الفقيه الايرانيّة، الساعية الى استعادة أمجاد الأمبراطوريّة الفارسيّة، التي هزمها العرب وأزالوها من الوجود. امّا الموحِّدون الدروز، فهم ضائعون بين أنياب تفكُّك العرب وضغوط الشرق والغرب.
في ظلّ هذا الجوِّ المذهبيّ المَقيت، لا تزال قلّة تقبض على جمر لبنان، الوطن الواحد الموحَّد، تحلم بدولة مدنيّة عصريّة، تحترم الانسان، لذاته، وتفتح أمامه آفاق المستقبل، بناءً على العلم والكفاءة – بغضّ النظر عن المذهب والحزب والجماعة.
امّا مؤسسات القوى الأمنيّة، فهي متعدِّدة الولاءات، حسب المذاهب والأحزاب، ومؤسسة الجيش، المؤسسة الوطنيّة الوحيدة، التي لا تُحسَد على هذا الوضع البالغ الصعوبة والتعقيد.
يبقى أن نقول، ما لا نتمنّى حصوله، مهما تدهورت الأوضاع، وتدافعت الانهيارات، انّه في غياب مشروع الوحدة العربيّة الشاملة، وغياب العمل العربيّ الموحَّد، لا مصير للبنان الّا الفيدراليّة، كخطوة أولى، ثمّ التقسيم ثمّ التفتيت والتلاشي..
=======================



