مقالات
مأساة سوريا بين النظام والذين يقاتلونه

خاص “المدارنت”..
بدأ ” الربيع العربيّ”، الذي تحوّل الى بحور من المآسي والدماء، في تونس، وامتد الى مصر ثمّ اليمن وليبيا، وسوريا ولاحقًا، بشكل أو بآخر، الى مناطق عربيّة عديدة.
بدأ تعامل السلطات السوريّة مع ارهاصات التململ الشعبيّ في البلاد بسلسلة من الإجراءات المتفرِّقة التي لم تستطِع إيقاف الاحتجاجات التي تحوّلت الى مظاهرات عارمة في عدة مناطق تطالب بالاصلاحات الدستوريّة، وتحسين مستوى المعيشة ممّا دفع السلطات – بدلًا من الاستجابة السريعة للمطالب بحكمة وروِيّة – الى اعتماد الحلول الامنيّة العنيفة.
استمرّ الوضع بالتأزُّم المتصاعد لبضعة شهور، قبل أن يبدأ استخدام السلاح بشكل علنيّ من قِبَل “المعارضة” التي بدأت تظهر على شكل ميليشيات متفرِّقة في الأرياف والمدن السوريّة الصغيرة على أطراف الدولة.
لا شكّ، باختصار شديد، انّ شيئًا ما كان يُدَبَّر في كواليس الدول المعادية لسورية من اجل زعزعة استقرارها تمهيدًا لضربها وتدميرها وتخريبها. لكن، كان على الحاكمين فيها ان يعوا خطورة المرحلة ويحاولوا معالجة الوضع بالطرق السلميّة – بعيدًا عن القمع والعنف واستخدام الاذرع العسكريّة والامنيّة كلِّها.
إختار الرئيس بشّار الأسد، الحلول الامنيّة، بناء على نصائح حلفائه الايرانيّين، الذين رأوا مصلحة استراتيجيّة لهم في هذا المسار؛ فتوافقت الاستراتيجيّات، من الداخل والمحيط والخارج، وصَبّت كلّ الجهود لتأجيج الأوضاع، الى ان تحوّلت الى حرب أهليّة لم تُبقِ ولم تَذَر..
خاض الجيش العربيّ السوريّ وحلفاؤه، فيما بعد، وما يزالون، نسبيًّا، آلاف المعارك الضاريّة ضدّ مقاتلين مدرَّبين تدريبًا احترافيًّا، من قِبَل اجهزَة استخباراتيّة عالميّة، ومجهَّزين باسلحة حديثة وفتّاكة، معظمُها من صُنع الغرب، ومموَّلين بعشرات المليارات من الدولارات الخليجيّة – معظمها قطريّة وسعوديّة، عن طريق تركيا والاردن.
جاء المقاتلون من كلّ أنحاء العالم، بشكل يدلّ على انّ هناك أجهزة استخبارات دوليّة تنسِّق الأمر بمنتهى الدقّة والاندفاع. هؤلاء المقاتلون انضموا تباعًا، الى مقاتلين سوريّين من جميع المحافظات، وشكّلوا مئات التظيمات المسلّحة المختلفة – المتحالفة حينًا والمتناحرة احيانًا. كانت شرايينهم الحيويّة ، بشكل اساسيّ، في تركيّا – تمويلًا وتدريبًا وتسليحًا – حيث كان عمقهم “اللوجستيّ” الفاعل والفعّال.
كان، وما يزال، لهم مركزان للقيادة والتوجيه والاوامر؛ واحد في الأردن وآخر في تركيا، والاثنان ليس فيهم سوريّ واحد – حسب ما روى لي أحد قادة المعارضة الذين لجأوا إلى كندا بعد سنوات من النضال بين تركيا وشمال سورية وقطر والإمارات وغيرها.
اما في الفريق الآخر، فكان وما يزال، ايضًا، عشرات التشكيلات المسلّحة التابعة لإيران تقاتل الى جانب الجيش العربيّ السوريّ، لحماية الرئيس بشّار الأسد من السقوط – بالاضافة إلى وحدات من خبراء الجيش الروسيّ ومن سلاح الجوّ الروسيّ وبحريّته.
إذن، تمحورت التحالفات في الحروب السوريّة الداخليّة الى:
1 – حلف النظام الذي يتكون من الجيش العربيّ السوريّ، وكل اجهزته الامنيّة والسياسيّة، يسانده وحدات من خبراء الحرس الثوريّ الايرانيّ معتمدين على عشرات التشكيلات “الشيعيّة” المسلّحّة – بمن فيها حزب الله اللبنانيّ – بالاضافة إلى خبراء من الجيش الروسيّ وتشكيلات من سلاحه الجوّيّ والبحريّ.
2 – حلف تسانده دول الخليج وتركيا وأميركا والغرب، وفيه مئات التشكيلات المسلّحة التي تطغى عليها جماعات “الإسلام السياسيّ”، المتمثِّل بشكل اساسيّ، في كلّ مَن خرَجَ من تحت عباءة “الاخوان المسلمون” الجاهزين دائمًا لمثل هذه المهمّات.
3 – ألمعارضة الوطنيّة التي تتكون من شخصيّات ونشطاء، وبعض الاحزاب المنتشرة في كل المحافظات، الذين لم يحملوا السلاح، ولم يكن لهم حول أو قوّة، لانّهم لا يؤمنون بالارتباط بالخارج من اجل التغيير في الداخل.
باختصار شديد: حروب بين “الشيعيّة السياسيّة”، المدعومة بالمشروع الايرانيّ والعاملة – بعلم وبغير علم – له، و”السُنِّيّة السياسيّة”، المدعومة من أميركا ودول الخليج وتركيا؛ مع الأخذ بعين الاعتبار، وبشدّة، الدور الاسرائيليّ – بشكل أو بآخر – داخل، او من حول، كلّ الفرقاء.
ماتزال الحروب في سوريا مستمرّة حتى الآن، بوتائر مختلفة ومتنوِّعة، لأكثر من عشر سنوات، دُمِّرَت خلالها معظم البُنى التحتيّة للدولة السوريّة والمجتمع السوريّ؛ فقطاعات الصحّة والتربيّة والصناعة والزراعة، وغيرها، تعمل في أدنى درجاتها، ومكوِّنات المجتمع تفتّتت وتمزّقت عُرآها على أسس مذهبيّة وعشائريّة وعرقيّة، وكلّ أنواع الفئويّة البغيضة، حتى تحوّلت سوريا، الى نموذج من الدول لا يوجد له مصطلح مناسب حتى الآن.
في خِضَمّ كلّ هذه الحروب الضارية، تمّ تدمير سوريا، وتشريد شعبها في الداخل، والى الخارج، وتدهورت العملة الوطنيّة الى مستوى أفقَرَ الناس من كل الفئات، وجعلهم غير قادرين على تأمين لقمة العيش لسدّ الجوع والرمَق؛ بعدما كانت سوريا، قبل هذه المِحَن، دولة تتمتّع باكتفاء ذاتيّ من دون ديون خارجيّة، ومن أكثر دول العالم أمنًا وامانًا واستقرارا!
لا شكّ، بأنّ الشعب السوريّ، دفع، وما يزال يدفع، أثمانًا لا تُقَدَّر، لهذه الحروب المأساويّة التي ستبقى اثارها الدامغة، والشديدة التخريب لأجيال عديدة لعشرات السنين القادمة، حيث سيكون الرابح الأول هو المشروع الصهيونيّ ويكون كلّ من قاتل، من كل الفئات من دون استثناء، قد أسهم – بشكل أو بآخر – في تقَدُّم تحقيق هذا المشروع الخبيث على أرض العرب.
=======================




سيكتشف الأسد وجماعته، أنهم خدعوا من قبل حزب الله وايران، خدمة للصهيونية، بغية واقع جديد تخدمه إيران لصالح اسرائيل