مقالات

مـــا بـعـــد غـــزّة لـيـــس كـمـــا قـبـلـهـــــــا!

خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيّين”

… يُنتج واقع غزة الحالي، المليء بالدماء والقتل وتدمير البنية التحتية، وممارسة كل أنواع “الهولوكوست الإسرائيلي” (الصهيوني)، المشترك معه تغطية ودعمًا (الأميركان والغرب) بشكل لم يسبق له أي مثيل، الكثير من المتغيّرات في المشهد السياسي والجيو/ سياسي القادم، وسيلقي بذيوله على الكثير من متغيرات الواقع الإقليمي والعربي والإسلامي والعالمي، ضمن سياقات دينامية ما بعد “طوفان الأقصى”، بل ما بعد المحرقة “الإسرائيلية” (الصهيونية)، حيث الشاهد عليها فرجة سياسية لاإنسانية من قبل كل الدول التي كانت تدّعي يومًا زورًا وبهتانًا أنها في مصاف الدول المتحضرة، وراعية حقوق الإنسان، وحاملة لواء القانون الدولي الإنساني المسفوح دمه على قارعة الطريق.
ولعل ما يفعله الإنسان الفلسطيني الذي يواحه آلة القتل “الإسرائيلي”/ الأميركي بجسده العاري، وقدرته على حمل كفنه بيده، ومواجهة كل ذلك بقوة واقتدار سيسجلها التاريخ، وستترك آثارها على مجمل القضية الفلسطينية، وتعيد صياغة التاريخ بأحرف من كفاح ونضال وتضحية، مِمّا سيعيد إنتاج القضية الفسطينية من جديد، على أسس حيّة ومتجددة، وهي القضية المركزية للأمة التي ظنّ البعص واهمين أنها بعد اتفاقات كامب دايفيد، ووادي عربة، وأوسلوا، قد ذهبت إلى النسيان أو أنها لم تعد قضية الأمة المركزية، لكن ما جرى ويجري في غزة اليوم أنتج وسوف ينتج مستقبلًا آخر للقضية الفلسطينية، وسوف يعيد البوصلة إلى موضعها الأساس، ويعيد الرؤيا الوطنية الفلسطينية، كما العربية إلى مساراتها الصحيحة.
يضاف إلى ذلك، أن غزة اليوم، وشعبها العظيم بدمه المراق على أرض فلسطين، يعرّي كل لحظة، وكل ثانية، تلك النظم التي ادّعت وتدّعي أنها ستحرر القدس، وأن الاعتداء على الشعب الفلسطيني خطًا أحمرًا، وأن الطريق إلى القدس يمر من حمص والقصير وإدلب وحلب..
نعم لقد عرّتهم جميعًا دماء غزة الطاهرة، وأثبت الواقع عيانًا ومن دون عمليات تجميل أن إيران/ الملالي ليست إلا دولة متاجرة بدماء الشعب الفلسطيني، وأنها لا يمكن أبدًا أن تخوض حربًا مع “إسرائيل” ولا غير “إسرائيل” من اجل مصلحة الشعب الفلسطيني، وأنها ماضية بمتاجرتها بحقوق الفلسطينيين، واللعب على الحبال بقضة فلسطين، وهي ليست في وارد أبدًا الدخول في معركة ليست معركتها، فهي من تبني ترسانتها من الأسلحة في مواجهة العرب، الذين انتصفوا من امبراطوريتها مع فجر دولة الإسلام الأولى، ومن ثم فإن كل عتادها وبناء مفاعلاتها من أجل إعادة مجد (كسرى أنو شروان)، وليس من أجل القدس ولا فلسطين، وليس بعيدًا عن مخيالنا ما فعلته أيام حرب الثماني سنوات ضد العراق، وفضيحة (إيران غيت) المتعلقة بالأسلحة، وكذلك اليوم، وما تسرب عن تزويدها “إسرائيل” بالنفط المنهوب من أرض “الأحواز العربية”.
وليس تابعها حسن نصر الله وحزبه، الأداة الايرانية في المنطقة، إلا جزءً من تلك اللعبة القذرة التي تتاجر بقضية الفلسطينيين، ثم تتركهم لوحدهم يلاقون الموت الزؤام، دون إحساس ودون أي تغطية لشعارات “حزب الله” التي أطنب فيها آذاننا، وهو الذي يخرج علينا عبر خطابه الخشبي، ليعتبر نفسه المشارك بالمعركة منذ 8 تشرين أول/ أكتوبر عبر مفرقعاته التي يلاعب بها القضية، ويحفظ عبرها ماء وجهه ووجه إيران، ويحاول القول أنه وما يفعله من إطلاق لبعض القذائف الشكلانية، إنما هو في حالة تضامن مع غزة. ويبدو أنه قد نسي أو تناسى ما أسمعنا إياه يومًا من صواريخ حيفا وما بعد حيفا، والتي كما يبدو وجدت ليس نصرة لأهل فلسطين، بل لإنفاذ مصالح إيران في المنطقة، وهو المنفذ لها والتابع لسياساتها بكل فجور وقلة انتماء لأمته العربية أو الإسلامية.
أما ذاك الطرف الثالث من نظام الممانعة القابع في قمقمه بدمشق، وينتظر أن لا تؤثر هذه الحرب على سلطته وبقائه بها، فقد صمت لأكثر من خمس سنوات على قصف الطيران “الإسرائيلي” لأراضي سوريا، وقبلها صمت وحافظ على أمن حدود “إسرائيل” المصطنعة، منذ اتفاق فضّ الاشتباك الذي وقعه والده حافظ الأسد عام 1974، وهو يصمت اليوم على قصف درعا ومطاريّ حلب ودمشق، لمرتين متتاليتين، وما يزال يحتفظ بحقّ الرد، الذي لا يبدو أنه سيأتي يومًا، ويكفيه (كما يرى) أن يردّ على (عملاء إسرائيل) حسب ادعائه، في إدلب وشمال سوريا.
إن أحداث غزة، ودماء أهل غزة، ستنتج تغيرات كبرى في المنطقة والإقليم، وستعيد تأسيس القضية الفلسطينية على أسس ومتغيرات جديدة، وما يجري اليوم من تظاهرات كبرى في كل مدن العالم، سيترك آثاره بالتأكيد على الجميع، كما أن الربيع العربي الذي خبا نجمه من الممكن هو الآخر أن يتحرك في موجة جديدة، تقتلع نظم القهر والعسف والتخلي، التي تركت أهل غزة في معركتهم لوحدهم، وخلقت من الواقع الصعب لأهل غزة منتجًا للاستثمار السياسي النفعي البراغماتي ليس إلا.
كما أنه ليس بعيدًا عن الواقع، ما سوف ىحدث داخل تنظيمات الشعب الفلسطيني التي لن ترضى بعد معركة غزة، بما رضيت به قياداتها البائسة، التي راهنت على ارتباطها بمشروع إيران وأطماعه بأمة العرب، حيث دمرت إيران سوريا واليمن واحتلت بيروت وبغداد، ثم تركت شعب غزة يلاقي الموت لوحده، وسوف تتحرك جماهير فلسطين، بعد غزة، منتفضة ضد كل القيادات التي توهمت خطأً أن إيران يمكن المراهنة عليها، ونسيت أنها عدوّة للعرب والفلسطينيّين بنفس مستوى عداء وخطر المشروع الصهيوني.
إن ما بعد غزة، لن يكون كما قبلها، ولعل عُري حسن نصر الله وحزبه وإيرانه، ومعه النظام الأسدي المجرم، سيكون أكثر انكشافًا، وأكثر وضوحًا، وستنتصر غزة والقضية الفلسطينية بتضحياتها ودمائها التي ستغير العالم والإقليم، وستُسقط الكثيرين عاجلًا أم آجلاً، وعوا ذلك أم لم يعوه.
* الرأي الأسبوعي لـ”ملتقى العروبيّين السوريّين”

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى