مكر التاريخ في سبتة ومليلية (المغربيّتين) المُحتلتين!
“المدارنت”
خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2007، قام العاهل الإسباني خوان كارلوس، آنذاك، بزيارة إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وكان رد المغرب على جميع المستويات، بما في ذلك المؤسسة الملكية، عنيفا، وتعهد المغاربة بضرورة تسريع طرح ملف المدينتين المحتلتين، غير أنه وقعت تطورات تدل على مكر التاريخ والمفارقات التي يحملها.
جاء رد الفعل المغربي عنيفا بالمفهوم الدبلوماسي، إذ لم يسبق للمؤسسة الملكية المغربية أن أصدرت بيانا مطولا، وبعبارات تقترب من لغة اليسار الراديكالي، مثل ذلك البيان الصادر كرد فعل على الزيارة، فقد اتهم البيان نظيرته الإسبانية بالاستمرار في اعتناق «التصرفات والأفكار الإمبريالية البائدة». وكان الوزير الأول، عباس الفاسي، قد تعهد، وقتها، بإدماج قضية سبتة ومليلية في البرامج الدراسية، واستحضارها أمام الأمم المتحدة، وباقي الهيئات الدولية في أفق تحريرهما. كما أعلنت الأحزاب السياسية عن نشاط يقترب في روحه ومضمونه من روح الحركة الوطنية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، التي انتهت بطرد المستعمر الإسباني والفرنسي من غالبية مناطق البلاد، مع استثناءات، من بينها سبتة ومليلية والصحراء.
لكن ما حصل لاحقا شكّل مفاجأة حقيقية؛ إذ قامت الدولة المغربية، ومعها الأحزاب السياسية، بوضع قضية سبتة ومليلية في ثلاجة تشبه برودتها أشد مناطق القطب الجنوبي برودة. غابت القضية عن الخطاب الملكي، وغابت عن خطابات الأحزاب السياسية، بل فرض البرلمان حظرا غير معلن على الأسئلة المتعلقة بالمدينتين، وأصبحت القضية من المحظورات داخل هذه المؤسسة التشريعية. وقعت تطورات كثيرة في هذا الملف، كان أبرزها مدعاة للتعجب هو تحوّل السلطات المغربية إلى توفير الحماية للمدينتين، على شاكلة ما يحدث هذه الأيام، لمنع تسلل المهاجرين الباحثين عن أمل للمستقبل فقدوه في بلادهم.
وقد دخل هؤلاء، بعد كسرهم الحدود، بعشرات الآلاف يوم 30 يوليو/تموز الماضي، في أكبر موجة هجرة جماعية يشهدها تاريخ الهجرة في يوم واحد، بدوافع اجتماعية واقتصادية وليس سياسية، أو كوارث طبيعية، بحكم أن النزوح لأسباب سياسية مثل الحرب الأهلية يكون ضخما في بعض الأحيان. وهكذا، بينما كان المغرب يصر، خلال أزمة الاقتحام الجماعي المماثلة في مايو/أيار 2021، وعلى لسان وزير خارجيته ناصر بوريطة، على أنه ليس «دركي أوروبا» في مواجهة الهجرة الافريقية، تغيّر الوضع خلال هذه الأيام، فأرسل ترسانة من مختلف قوات الأمن، من شرطة ودرك وقوات مساعدة، لمنع تسلل المهاجرين الى سبتة.
ولعل المفارقة الأخرى أن وزارة الداخلية المغربية أصدرت بيانا تتهم فيه شبكات المافيا بتنظيم هجرة 30 يوليو إلى سبتة ومليلية، وحذفت كلمة محتلتين من البيان، في سابقة في تاريخ البيانات والبلاغات المغربية منذ استقلال البلاد سنة 1956.
هذا الحشد من القوات على حدود سبتة يشكل، بطريقة غير مباشرة وغير مقصودة بطبيعة الحال، حماية لمنطقة محتلة يطالب المغرب باستعادة سيادته عليها. وبحراسته حدود سبتة من الهجرة، يبدو أن المغرب يرمي من وراء هذا العمل إلى تفادي أزمة سياسية مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، قد تؤثر على تطور ملف الصحراء مع إسبانيا ومع الاتحاد الأوروبي. غير أن مكر التاريخ، جعل منه حارس حدود المستعمر في المدينتين. هذا السيناريو، أي مكر التاريخ، عاشه المغرب في علاقته بمدينتي سبتة ومليلية في عدد من الحالات خلال الماضي.
فقد أجبرت إسبانيا السلطان محمد الرابع على توقيع اتفاقية السلام والصداقة المعروفة كذلك باسم «واد راس» (مكان توقيعها) سنة 1860، لإنهاء حرب تطوان، التي تعرف كذلك في التاريخ الإسباني بحرب افريقيا. وبموجبها، كرّس السلطان سيادة إسبانيا على المدينتين، وتعهد بتوفير الحماية لهما بموجب البند الخامس والسادس والسابع. كان محمد الرابع أول سلطان يرضخ لقوة أجنبية تحتل الأرض المغربية ويوقع اتفاقية سلام مهينة. وسيأتي بعده ابنه الحسن الأول، فيمنح الإسبان امتيازات خاصة في مليلية، ويعاقب القبائل التي كانت تريد طرد المستعمر، أو عرقلة توسعه نحو الأراضي المغربية. وسيأتي لاحقا المولى عبد الحفيظ، ابن الحسن الأول وحفيد محمد الرابع، ليوقع اتفاقية استعمار المغرب سنة 1912، والتي تسمى، من باب تلطيف وقع الاستعمار وإضفاء شيء من الماكياج عليه، «اتفاقية الحماية».
وبحثا في أرشيف التاريخ، كانت آخر محاولة عسكرية لاسترجاع سبتة هي تلك التي قام بها السلطان المولى اليزيد سنة 1790-1791، وانتهت العملية بالفشل، شأنها في ذلك شأن أكبر عملية حصار لسبتة، قام بها السلطان مولاي إسماعيل ما بين سنتي 1694 و1727. ومنذ سنة 1792، اكتفت السلطة الحاكمة في المغرب بإطلاق نداءات سياسية لاستعادة المدينتين، بينما كانت القبائل، وليس الجيش النظامي، هي التي تقوم بمحاولات تحريرهما من الاستعمار. طيلة العقود الماضية، بعد استقلال المغرب، كانت الرباط تربط مصير سبتة ومليلية بمفاوضات جبل طارق بين مدريد ولندن.
ويشهد مستقبل جبل طارق تقدما آخره إزالة السياج الفاصل بينه وبين الأراضي الإسبانية خلال الشهر الماضي. في المقابل، عزز المغرب من السياج الفاصل مع سبتة بسياجات جانبية على البحر تمتد داخل الأراضي المغربية. نجحت مدريد في جعل لندن تجلس الى مائدة المفاوضات بشأن مستقبل الصخرة، بينما يغيب ملف المدينتين في الخطاب الرسمي المغربي بسبب ملف الصحراء، أو بعبارة أخرى تأخر المغرب في حسم سيادة هذا الملف بسبب ظروف دولية مثل، الحرب الباردة وأخرى داخلية مثل التأخر في الديمقراطية.
وهكذا، بعد أكثر من قرنين، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة تاريخية لافتة: دولة تطالب باستعادة مدينتين تعتبرهما محتلتين، لكنها تحشد قواتها لحماية حدودهما ومنع المهاجرين من عبورهما، وكأنه تطبيق ضمني للبنود السابقة في «اتفاقية وادراس»، مع اختلاف السياقات الزمنية والإكراهات. وعليه، لا أحد كان يتصور مدى تأثير الهجرة في القرارات الجيوسياسية للدول إلى هذا المستوى، وكيف تفرض الهجرة واقعا لا أحد كان يتكهن به.



