من إيران إلى أوكرانيا.. حرب قد تنهي حربًا؟
“المدارنت”
أوقعت الحرب الروسية/ الأوكرانية العالم في أزمات طالت سلاسل التوريد، والغذاء، والطاقة، انعكست ضغوطا اقتصادية على أوروبا، وازديادا للفقر والجوع في افريقيا، أدى لمزيد من الانقلابات العسكرية واستفحال التطرّف وحركات الهجرة غير المشروعة، لكن مع اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران تطوّر الأمر إلى أزمة أكبر بكثير على طرق الملاحة والطاقة والتوتر الإقليمي والعالمي، وحين تتضاعف أزمات الحروب الكبرى، تدخل القوى الكبرى في أزمات، وتدخل الدول الصغيرة في حروب للبقاء.
تبدو التحركات الأمريكية الأخيرة بين موسكو وكييف، ضمن التداعيات بين الحربين الكبيرتين، مختلفة عن سابقاتها.
تحدّث جاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأمريكي وصهره، أول أمس السبت، عن «خطوات مقبلة» خلال أسبوعين، واصفا التواصل مع الطرفين بأنه «بنّاء جداً وإيجابي جداً». يتحرك كوشنر، مع شريكه الدبلوماسي ستيف ويتكوف، بين موسكو وكييف، ويلتقيان بوتين وزيلينسكي، وتعود فكرة المفاوضات الثلاثية إلى التداول.
لا يعني هذا طبعا أن السلام اقترب، فموسكو لم تتراجع عن شروطها، وترفض توقف عملياتها العسكرية خلال المباحثات. كييف بدورها لم تتخل عن مطالبها. لكن شيئاً آخر تغير: الكلفة الهائلة لاستمرار الحرب.
كان مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، قبل هذه الجولة الأخيرة، قد ذهب سراً إلى موسكو. الرسالة التي نقلها، حسب ما تسرب، لم تكن مريحة للكرملين: خسائركم تتراكم، والضربات الأوكرانية في العمق لم تعد رمزية، والاقتصاد الروسي يتعرض لضغط حقيقي. الرسالة، في الحقيقة، يمكن تطبيقها أيضا على أحوال إدارة ترامب نفسه.
تخشى الولايات المتحدة ما يمكن أن تفعله موسكو إذا شعرت بأن واشنطن أصبحت غارقة في حرب أخرى، وكانت التهديدات الروسية لبريطانيا، والحديث عن منشآت عسكرية وصناعية يمكن أن تصبح أهدافاً، أظهرت إلى أي حد يمكن أن ينزلق الصراع الأوكراني إلى مساحة أخطر: مواجهة مباشرة مع حلف الأطلسي.
اتسعت دوائر تأثير حرب إيران السلبية بشكل لم تحتسب له أمريكا؛ ولا بلدان الخليج التي تعرّضت لآثار قاسية على اقتصاداتها وتزلزلت قناعاتها حول الاعتماد على الحماية الأمريكية؛ ولا دول آسيا التي وجدت نفسها في خطر توقّف وصول نفط وغاز الشرق الأوسط إليها؛ ولا أوروبا، التي تعرّضت، بدورها، لتضعضع رواسخ سياسية وعسكرية، ما دفع مسؤولين أوروبيين عديدين للحديث عن تفكك فعلي للناتو.
مع الحرب الإيرانية، وبعد أن أصبح مضيق هرمز مكانا خطرا للملاحة العالمية، انضاف باب المندب، فجأة إلى المعادلة، مع تعزيز الحوثيين لسيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، وهو ما عزّز مخاوف الملاحة والطاقة والأسواق العالمية وزاد أسعار النفط والغاز، وصارت القوات الأمريكية والأوروبية بحاجة إلى حماية قواعد، وسفن، وممرات بحرية، وحلفاء مفترضين.
مع تزاحم الجبهات، بدأت الذخائر تتوجه نحو أوروبا لا إلى الشرق الأوسط، وصار صعبا لأنظمة الدفاع الجوّي الغربية أن تتواجد في مكانين بالفاعلية نفسها، وصار الاهتمام السياسي متركزا على حماية النفس، مع تزايد الأنباء عن تضرر كبير في الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وتعرّض حظائر الطيران في الأردن إلى ضربات.
ضمن هذه “السيناريوهات” المعقّدة، يمكن أن يصبح وقف الحرب الأوكرانية أولوية أمريكية، فهي الحرب الأكثر قابلية، نظريا، للتجميد، وخصوصا مع كلفة الاستعصاء الرهيب الجاري، حيث لا أفق أمام روسيا لحسم الحرب، ولا أوكرانيا قادرة على فرض هزيمة كاملة على روسيا. كلاهما ما زال يقاتل. وكلاهما ما زال يؤذي الآخر. لكن كلفة القتال ترتفع، فيما تبقى خريطة النهاية غامضة.

وهذه بالضبط هي اللحظة التي تبدأ فيها الحروب بالتحول من سؤال: من سينتصر؟ إلى سؤال آخر: من يستطيع أن يتحمل أكثر؟ ما تزال روسيا، المسكونة بهاجس القوة العظمى، ترغب أن تدخل أي تفاوض من موقع القوة. لم تعد أوكرانيا أيضا، التي بنت صناعة مسيّرات وصواريخ وأنظمة دفاع جوّي وصارت تواجه الهجمات الروسية بمثيلاتها، هي أوكرانيا التي هاجمها بوتين آملا في السيطرة عليها خلال أيام.
من جهتها، فإن الولايات المتحدة تريد منع حرب أوروبية طويلة من التحول إلى أزمة أطلسية بينما تتسع حرب أخرى في الشرق الأوسط، ولكل هذه الأسباب فقد تكون الحرب الإيرانية قد جعلت استمرار الحرب الروسية – الأوكرانية أكثر كلفة، وأشد خطراً.
تخوض أمريكا حرباً بعيدة في أوروبا، وحرباً أخرى في الشرق الأوسط، وصار واضحا أن الجبهتين مترابطتان، وعندما تتسع الحروب تضيق الخيارات.



