مقالات
من ذاكرة خائن عربي..!

“المدارنت”..
عندما كنت صغيراً، كان ابي بعثيّ الهوى والمبدأ والعقيدة، وبما ان الابناء على دين آباءهم، أرسلني الى المخيم السنوي لطلائع البعث العربي الاشتراكي في ريف حمص، كانت خريطة الرحلة ان يقلّنا باص الى الحدود، ونستقلّ باصاً آخر الى المخيّم.
وقد كان من الصعب والمستحيل، ان تدخل أيّ مركبة مسجلة بدولة عربية الى دولة عربية أخرى، من دون موافقات امنية وكدسة من الاوراق والمعاملات، على الرغم من وجود يافطة كبيرة على مدخل الحدود (أمّة عربية واحدة)، ومع أننا كنا اطفالاً وبالزيّ الموحّد الأصفر للطلائع و المرسوم عليه فوق صدورنا خريطة الوطن العربي من المحيط الى الخليج.
كان لا بد ان يشيّك شاربوا المتة على هويتك العربية، من الامن السياسي، والامن العسكري، والامن الجوّي، والامن الاجتماعي، والامن الغذائي، والامن العام، وشرطة خدمة الشعب، وحرس الحدود، والجمارك، والهجّانة.. ركبنا الباص في المقلب الأخر، كان زجاج المكرو عرشية اوراق عنب، وصوت اديب الدايخ يصمّ الآذان، ورائحة المازوت تنخر عُباب النخاع الشوكي، لأن الشوفار كان يزايد على الكوريين بالاختراعات بأن صنع خزاناً اضافياً للتهريب مستفيداً من فرق الاسعار.. والرحلة التي تحتاج الى ساعة من الوقت استغرقت ثلاث ساعات لأن الحواجز الطيّارة لنفس الفروع المُشيّكة للحدود كانت تنصب الكمائن فجاة في عرض الطريق، وكانت تقبض ولا تفتش حتى لو كنتَ تُهرّب مدافع رشاشة، او تمثال زنوبيا ملكة تدمر…
وصلنا المخيم كان ذكوريا لا يوجد فيه طليعية واحدة، ربما استثنتْ القيادة المراة من الإعداد والتثقيف الحزبي، وفرزتها لتحضير الاكل في المطابخ العربية لزوم المعركة…
في صباح اليوم الاول، وعند الفجر أيقظنا مدرّب اللياقة البدنية إمّا صُراخاً امّا نعراً بالعصي، وكان عسكريا متقاعدا، ولزوم علينا ان نلفّ المخيّم ركضاً عشرات المرّات، مع مشية البطة، والزحف تحت الاسلاك الشائكة، والقفز فوق الحواجز الحديدية، وتنشّق رائحة حريق دواليب افاميا ، اما هو فلا يتحرك فيه الا الصفّارة في فمه، ويزن مع كرشه مئة كيلو، ويدخّن علبتيّ سجائر حمرا قبل الظهر، وأرجيله نكهة حموية بعد الظهر…
وبعد هذه العقوبة الرياضية والمناورة تصبح روائحنا كشاةٍ من الماعز، يأتي الرفيق(ابو يزن) على دراجّة نارية وقد غطّى الوحل طقمه البنيّ من الخلف، ويبدأ درسه التثقيفي الحزبي. وكانت الوجبات اليومية امّا بيض مسلوق وبطاطا، او بيض مقلي مع البندورة، او رز مع السلطة.
لم نرى الدجاج او اللحم حتى في المنام، وكان فحوى الدرس عن دعم جميع حركات التحرّر العالمية من نضال الشعب الكوبيّ في امريكا اللاتينيه، الى منظمة( ايتا) في اقليم الباسك باوروبا، الى الخمير الحمر في كمبوديا.. ثم يدلنا بعصاه على الخريطة، وبكل ثقة أننا سوف نحاصر اسرائيل من الجهات الاربع، من سيناء بمصر، ومن البحر الميت بالاردن، ومن الجنوب من لبنان ، ومن الجولان بسورية، ولو كانت اجهزة المخابرات الامبريالية آنذاك تتنصت علينا، لارسل هنري كيسنجر البواخر الى البحر المتوسط لاقالة من تبقى من اليهود الصهاينة.. وفي ختام المخيم الاعدادي شبكنا ايدينا وأنشدنا: بلاد العُرب اوطاني من الشام الى بغداد.
وبعد عشرة ايام من (الترفيه) والاعداد عدت منهكاً الى امّي، فبعد حمّام بكل انواع المنظفات، دهنت جلدي بزيت الزيتون للتخلص من الجرب، ونقعت شعري بزيت الكاز بسبب القمل، والسيبان..
… وبعد اربعين سنة من هذا المخيم الاعدادي التثقيفي، تفصل اليوم بين الدول العربية عشرات الدشم واجهزة الأمن. بينما الحدود الفاصلة بين كل الدول الاوربية باقات من الورد…



