من مكة إلى الرياض.. حرب الصواريخ والفتاوى!
“المدارنت”
أعلنت (المملكة العربية) السعودية، قبل أيام، اعتراض طائرة مسيّرة أطلقتها عناصر من «أنصار الله» (ميليشيا الحوثي) نحو جنوب مكة المكرمة، وذلك قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة المقدسة، واعتبر التحالف الذي تقوده الرياض ما حصل محاولة لاستهداف مكة. نفى الحوثيون أن تكون مكة هدفا لهم، وقالوا إن ضرباتهم موجهة ضد أهداف عسكرية واقتصادية. بقيت وجهة الطائرة المسيّرة النهائية موضع روايتين متعارضتين، فيما ثبت اعتراضها في منطقة شديدة الحساسية بالقرب من مكة.
غير أن مجرد دخول المركز الإسلامي الأقدس في أخبار الحرب يحمل ثقلا يتجاوز كونه حدثا عسكريا، فالمدينة ليست هدفا عاديا يمكن إدراجه في «بنك أهداف» يمكن أن تستهدفها الصواريخ والمسيّرات. مكانة مكة الدينية تجعل أي حديث عن استهدافها قابلا للتحوّل فورا من نزاع سعودي – حوثيّ إلى قضية تمسّ المسلمين عموما، وتمنح الحرب بعدا دينيا وسياسيا يصعب ضبطه بعد إطلاقه.
بعد أربعة أيام فقط، غدت الرياض نفسها هدفا معلنا، فأعلنت الرياض، أول أمس السبت، اعتراض صاروخ باليستيّ أطلقه الحوثيون على العاصمة السعودية، وهو ما أكدته الجماعة الموالية لإيران بإعلان تنفيذ هجمات بالصواريخ والمسيّرات على ما وصفته بـ»مواقع حساسة» في الرياض، ومنشآت في ينبع. جاءت الهجمات بعد أيام من غارات سعودية على مناطق سيطرة الحوثيين، من بينها العاصمة اليمنية صنعاء، وفي ظل اتهام الحوثيين للرياض بشن مئات الغارات خلال أسبوع.
يحمل استهداف الرياض دلالة سياسية واضحة تتجاوز القيمة العسكرية، فالحوثيون يحرصون في خطابهم على تقديم أنفسهم بوصفهم سلطة دولة تواجه دولة: ُتقصف صنعاء فتُهاجم الرياض. الفكرة خلف هنا طبعا هي نقل صورة الصراع من مواجهة بين الحكومة الشرعية اليمنية المدعومة سعوديا مع حركة عسكرية متمردة إلى مواجهة بين سلطتين وعاصمتين.
بين مكة والرياض دخلت الفتاوى أيضا ميدان القتال، فقد ظهر علوي بن سهل بن عقيل، الذي قدّمته قناة «المسيرة» التابعة للجماعة اليمنية بوصفه مفتيهم في محافظة تعز وهو يقول: «سنستهدف الحرمين الشريفين». التصريح المشغول على طريقة «المؤثرين» على وسائط التواصل الاجتماعي ينقلب بعد هذه المقدمة الاستفزازية للقول إن الاستهداف هو بجعلهما «منارة للمسلمين» وتعظيمهما وإجلالهما، لا بإعلان الاستعداد الصريح لقصفهما. أشعلت العبارة، التي جاءت بشكل مقصود، بعد حادثة المسيّرة قرب مكة، منصات التواصل، كما هو متوقع، وتحولت إلى مادة «حارقة» في الحرب الإعلامية.
فتحت الواقعة معركة أخرى: جبهة المفتين. توالت مواقف منظمات إسلامية وحكومية من المنطقة العربية، على رأسها مفتي مصر والأزهر، وصولا إلى باكستان وتركيا وماليزيا والهند، في المقابل أثار مفتي سلطنة عُمان أحمد الخليلي جدلا مختلفا حين دعا إلى عدم صرف الاهتمام بفلسطين والمقدسات المحتلة، وانتقد مهاجمة جماعة قال إنها واجهت إسرائيل، وكان أول من ردوا عليه وزارة الأوقاف والإرشاد التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، معتبرة أن تصريحاته تمنح جماعة الحوثي غطاء معنويا.

من مكة إلى الرياض، ومن باب المندب إلى مضيق هرمز، تتسع الحرب على أكثر من مستوى في الوقت نفسه. يرسم الصاروخ حدود القوة العسكرية، فيما يكشف المضيق أكلاف الجغرافيا، فيما تحاول الفتوى أن تمنح الصراع معناه وشرعيته. يفصح «إطلاق النيران» الرمزي بين أجهزة الإفتاء عن تطوير لطبيعة النزاع ينقله من حيثيات إطلاق الصواريخ والمسيّرات وحصار المضائق إلى حيّز الصراع السياسي – الدينيّ المتشابك مع تدرّجات المصالح، والمواقع، والأولويات.
تُستعاد هنا قضية التعارض مع إسرائيل كميزة تعطي الحوثيين شرعية في حروبهم مع الحكومة اليمنية، واختلافاتهم مع الأحزاب والاتجاهات السياسية الأخرى التي قد لا تقل عداء لإسرائيل عنهم، كما يمكن أن تستخدم كتبرير لهجماتهم على السعودية، ولاحقا ربما، بلدان عربية أخرى، في وقت تنوقلت فيه أنباء عن سماح الحوثيين للناقلات والسفن الأمريكية والإسرائيلية بالمرور في البحر الأحمر، في مفارقة تذكّر بعقود طويلة من اضطهاد شعوب المنطقة، والفلسطينيين أنفسهم، من قبل أنظمة رفعت شعار معاداة إسرائيل.
ما يغيب التصويب عليه في حروب الفتاوى، وتزيد في خطورته حروب الصواريخ والمسيرات، هو امتداد الخطر الإسرائيلي جغرافيا، في الضفة الغربية، التي أعلن بنيامين نتنياهو عدوانا مفتوحا جديدا عليها، في الوقت الذي تستمر فيه مأساة قطاع غزة، وتتوسع التوغلات واعتداءات إسرائيل على لبنان وسوريا، فيما تظهر أشكالا من استهداف العرب والمسلمين بغض النظر عن مواقعهم في مجالات الصراع.



