موقــع الـعـقــل فــي الـشــريـعــــة..

خاص “المدارنت”..
ألله هو الكمال المطلق الحائز على الكمالات جميعًا، والمنزّه عن كلّ شرّ أو عيب أو نقيصة؛ وقد خلق العقل، وأرسل الشرائع؛ فهل يُعقَل أن تكون شريعته مخالفة للعقل؟!
لا بدّ إذاً من أن يكون ما جاء في كتابه الكريم متوافقًا ومنطق العقل.
غير أنّ بعض آيات الكتاب يبدو في ظاهره مخالفًا لذلك المنطق.
أمام هذه الإشكالية تُطرَح ضرورة تفسير هذه الآيات بما يتوافق مع النظر العقليّ.
لكنّ سؤالًا” يبرز هنا، وهو: لماذا جاءت تلك الآيات متعارضة مع الرؤية العقلية؟!
في مواجهة هذه المسألة، يطرح افتراض معقول تمامًا، ولا يشكّل خروجًا على ما جاء في النصّ الإلهيّ. والافتراض، هو أنّ الناس في علمهم وثقافتهم واستعداداتهم الفطريّة طبقات، وقد خاطب الله في كتابه الناس على قدر عقولهم.
خاطب بعضهم من ذوي الثقافة والمعارف المحدودة، باللغة التي تحاكي مستواهم الثقافيّ والعلميّ. هذه اللغة التي يجدونها في ظاهر النصّ، والتي تتناسب مع استعداداتهم الفكريّة التي لا تتجاوز الواقع الماديّ والبيئة التي يعيشون وسطها.
وخاطب آخرين باللغة التي تستوعبها عقولهم، والتي تقتضي عدم الوقوف عند ظاهر النصّ، بل تتجاوز ذلك إلى تفسيره بما يتّفق والرؤية المجازيّة المعمّقة.
وقد دفع بعض علماء المسلمين من المتكلمين والفلاسفة، الثمن الباهظ عندما حاولوا في تلك الآيات تجاوز ذلك الظاهر الى التأويل بما ينسجم ورؤية العقل، ممّا عرّضهم للقول فيهم أنّهم زنادقة باعتبار أنّ “من تمنطق فقد تزندق”.
ورأْيُنا أنّ هذا الحكم لم يكن منصفًا بحقّ طائفة من العلماء، أرادت إزالة الفوارق الواضحة بين ما خلقه الله للإنسان من العقل، وما أنزله من الوحي في قرآنه الحكيم، فعمدت إلى تفسير يتخطّى المعنى الحرفيّ الظاهريّ للآيات على نحو لا يتعارض مع منطق العقل؛ فعلى سبيل المثال، لا يمكن تفسير الآية القرآنية من سورة “الرحمان”:
“الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى”، بالمعنى الحرفيّ الظاهريّ لها، والقول إنّها تعني أنّ الله جلس على كرسيّ العرش؛ فالجلوس للإنسان والكرسيّ من عالمه، ولا يستقيم منطقيًا أو شرعيّاً أن يفهم المعنى على هذا النحو، لمن وصف نفسه في القرآن الكريم “… لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير”.
والآيات التي لا يستقيم أن تفهم على ظاهرها للعلماء، من ذوي النظر العقليّ المعمّق، آيات كثيرة يمكن مراجعتها في القرآن الكريم.
خلاصة الرأي لدينا، أن لا نغيّب العقل في فهمنا للنص الإلهيّ، بخاصّة وأنّ الله خاطب المسلمين في كتابه بكثير من هذه التعابير وأمثالها: “يا أولي الألباب (العقول) ” “أفلا تبصرون ؟!” ( أيّ تستعملون بصيرتكم؟!).. ودعاهم إلى إعمال ذلك العقل في شؤون دينهم ودنياهم؛ فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟! .



