مقالات
نحن أمة المسلمين.. لسنا أمة المؤمنين..!/ الجزء الثاني والأخير..

خاص “المدارنت”..
لقد ذهبنا للانطلاق بالعقل الجمعي كجوهر واصل في التسديد والتصحيح، لأنه المقرر التشريع والقوننة، انطلاقا من موقعه الرسمي والموقع المسؤول، على المستويين: الديني والمدني (الدنيوي) إذ من خلاله تصدر القوانين التي تلزم الأفراد والجماعة تنفيذها وتطبيقها. هذا الالزام هو انعكاس لمفاعيل العقل الجمعي وما انتجه عمليا داخل مسار ومصير الامة (عربا ومسلمين) بوجهين: أما تقدما حضاريا، وإما تقهقرا وتخلفا. وهذا واقعنا المزري المتقهقر يحدثنا عن حال وأحوال الأمة التي قد تعرّت من منطق التعقل السليم، فعطلوا عقلها الجمعي — أصحاب المسؤولية والقرار.. وحولوه إلى آلة ساكنة جامدة، تحركها أزرار كهربائية مرتهنة لاعداء الامة، أولئك المنافقون الذين هم ليسوا بمؤمنين.
من هم المؤمنون؟ للاجابة السديدة نعود للنص القرآني وقوله تعالى:
“انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم ايمانا، وعلى ربهم يتوكلون”.. “والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم، ذكروا الله واستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون”.
أنظر وتأمل في دلالة هاتين الآيتين. أنه وصف المؤمنين وحقيقتهم في التفاضل وزيادة الإيمان. عبارة (وعلى ربهم يتوكلون)، اي لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا اياه، ويعلمون أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، هو المتصرف ولا معقب لحكمه. اضف عبارة( ولم يصروا على ما فعلوا).
والسؤال الواضح الفاضح: مَن مِن أصحاب العقل الجمعي، الذين هم في موقع المسؤولية الدينية( خاصة) والمدنية، من اهل السلطة والتسلط، من اهل القهر والجهل، من اهل النفاق والخيانة. كل ذلك لا يتطابق مع وصف المؤمن الذي يتميز: بحسن الخلق وسماحة النفس، اضف إلى ما يرفع شانه: التواضع وقضاء حوائج الناس، إلى جانب تأكيده على: الصدقات وصلة الرحم .وشتان بين الثرى والثريا.
أولئك مَن يدعون العفّة ويزعمون الزعامة والقيادة ،أولئك الغفلة التي هي عقوبة مّن يُعرض عن الله، لقوله تعالى:
“نسوا الله فانساهم أنفسهم”. فيا قوم احذروا ثم احذروا الغفلة.
أنظر… تأمل… تدبر… حلل…. واستدل واستنباط، قوله تعالى في سورة النساء آية 141: “ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا”.
أليس في هذا النص القطعي أكثر وضوحا وبيانا على ما نبين: “ومن أصدق من الله قيلا”.: “ومن أوفى بعهده من الله”. فهل نحن نحقق ما أراده الله في أمة الإيمان وأمة المؤمنين؟ لا والف لا، لسنا بامة المؤمنين انما نحن أمة المسلمين، فنحن كباقي البشر ونساويهم في الفطرة الإنسانية، التي هي الإسلام، لقوله صلى الله عليه وسلم: “كل مولود يولد على الفطرة واهله يهودانه، أو ينصراه أو يمجسانه…”.
والمسلمون أولئك الذين يؤدون شعائر الإسلام، من إقامة وصوم …جميع العبادات،بطريقة فارغة جوفاء،ضمن حركات متواترة، لا حياة فيها ولا دلالة فعل للنص الإلهي، بل إنها نوع من الايحاءات والرموز، تعكس على صاحبها بالقال والقيل، كما يصبوا ويتمنى،(فلان ما بصلي إلا بالصف الاول، شو هاالشيخ كلامه بجنن، شوف المفتي الكل بدهن رضاه… الخ) وبهذا وعلى هذا النحو يرضي ذاته شامخا بها، وكأنه نال العلا عمن حوله، متغافلا ومتجاهلا المعاملات.. دنيا ودين.. إذ تعتبر المعيار التفصيلي والاصلي لقياس عمل الإنسان، على المستوي الديني والدنيوي، لأن المعاملات الإنسانية هي التي تحرك عجلة الحياة القيمية وتندفع بها نحو التقدم والتطور والازدهار، على جميع المستويات، المعنوية (قيم واخلاق) والمادية (عمارة الأرض) فأين نحن من ذلك كله؟! عجب… عجب.
نعم… لسنا بمؤمنين، ولسنا لأمة المؤمنين، انما نحن أمة المسلمين، والفرق شاسع وبعيد بعد الأرض عن السماء، ولهذا السبب الأول نحيا في شقاء تام مطبق، نحيا حياة الذل والقهر والمهانة، وعلى جميع جوانب الحياة العامة، وفي المجالات الحياتية كافة .والدليل قوله تعالى:
“قالت الاعراب امنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم”. الحجرات/ 14
—: “وكان حقا علينا نصر المؤمنين”. الروم/47
—: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون أن كنتم مؤمنين”. آل عمران/139
—: “وما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه”. آل عمران /179
—: “ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا “. النساء/141
انها دلالات على اننا أمة (العقل الجمعي) لم ترتق إلى مرتبة ورتبة أمة المؤمنين، ونحن كمسلمين لا نريد العمل بأمر الله تعالى لنيل درجة المؤمنين، بل نصرُّ على ما الفينا عليه اباؤنا. وفي المواقف المطلوبة نتغنى ونتفاخر بألفاظ وجدانية شاعرية،نقدم النصائح وتبين مقدار حفظ القرآن الكريم إلى جانب بيان معلومات سرد القصص والخرافات، نستخرجها من عمق التاريخ، الذي هو محط نقد ونقض،لدى اهل العلم المخلصين، والاوفياء لأوامر الله ونهيه، الذين تجاهلتهم وابعدتهم، مؤسساتنا الدينية والدنيوية.
لقد خصّ الله سورة باسم المؤمنين، وأخرى باسم المنافقين، دلالة على تمايز كل منها في اتجاهات متقابلة، كما أن الواحدة ترسم خطوط ما ينعكس على ذاتية أهلها وأصحابها. وعلى هذا الأساس ترتسم خطوات النصر والغلبة، ورقي الإنسانية السوية، بمن بلغ درجة ورتبة المؤمنين، متحدا في تكوين عقل جمعي يغلب عليه عمل الحق والعدل من أجل خلق أمة المؤمنين.



