مقالات
هل ذبلت أزهار الربيع العربي..؟!

خاص “المدارنت”..
فى السابع عشر من ديسمبر عام 2010، أقدم البائع المتجول الشاب محمد البوعزيزي على إضرام النار في جسده في مدينة بوزيد التونسية، احتجاجا على حجز السلطات المحلية لبضاعته.
هذه الحادثة الصادمة، كان من الممكن أن تكون عابرة كمثيلاتها من الأحداث التي تتناقلها أجهزة الإعلام يوميا وتختفي كفقاعة ماء ولكنها – على غير العادة – تجاوزت توصيفها السطحي كحالة خاصة، لتعبر عن حالة عامة كان يعاني فيها الشعب التونسي من ضنك العيش، وما يصاحبه من فقر وبطالة وتدهور مريع فى المؤسسات والمرافق الخدمية، بفعل نظام طاغي ومستبد، إستهوى سطوة السلطة وعمد على قهر وإذلال الشعب وهضم حقوقه وسلب حريته، مطلقًا العنان لبطانة السوء المتحولقة حوله، تزيّن له سوء أعماله وتجد ضالتها فى الكسب الحرام، عبر بوابة الفساد والمحسوبية وإنعدام المراقبة والمحاسبة.
كانت حالة بوعزيزي ولا تزال، مثالا لملايين الشباب العرب الذين يعيشون الفاقة والفقر والإقصاء الإجتماعي والسياسي، وإن إختلفت الظروف إختلافا طفيفا من بلد لآخر.
كانت شرارة وجدت الفضاء المناسب والأرضية الصالحة لتنطلق وتعم تونس الخضراء من أقصاها إلى أدناه فيما سميت بثورة الياسمين.
وعندما رأى بن علي مصيره ماثل أمام عينيه، قال: (الآن قد فهمت). حقًا فهم الدرس ولم يعاند أو يقاوم، ورحل هاربا حاملآ معه ما خف وزنه وغلى ثمنه.
وبعد مرور أكثر من 10 سنوات على الثورة، يمكننا القول بأن تونس أثبتت نضوجا سياسيا مقدرا، مقارنة بمآلات ثورات الدول العربية الأخرى، على الرغم من الصعوبات والتنازعات التى إعترضتها في البداية، وتواجهها إلى الآن، بخاصة الصراع القانوني بين الرئيس قيس سعيد والسلطتين التشريعية والتنفيذية فى غياب المحكمة الدستورية.
وهذا التميز يرجع لسببين، أولهما: وجود أحزاب سياسية متأصلة ومتجذرة في المجتمع منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة، حيث أستطاعت أن تتماشى بحكمة، سرا أو علنا، حسب طبيعة وظروف كل حزب، لذا كانت حاضرة بعدتها وتنظيماتها عندما حدث التغيير.
وثانيهما: وجود حركة نقابية عمالية ومهنية قوية منذ إستقلال تونس، والتي لعبت دورا أساسيا فى الحياة السياسية، وكانت دائما ثمثل صمام الأمان عندما تشتد النوائب.
وفي مصر، كانت الأحوال الإقتصادية والسياسية، قد وصلت إلى طريق مسدود، وكان شبح التوريث يلوح في الأفق. وقد تهيأت الأجواء بحراك مكثف عبر وسائط التواصل الإجتماعي، بجهد ومثابرة من شباب قويت عزيمتهم، وتوحدت جهودهم على إسقاط نظام مبارك.
وفى 25 يناير 2011، إنطلقت الثورة فى القاهرة، وتبعتها هبة شعبية عارمة إنتظمت معظم المدن و الأرياف.
حاول الرئيس مبارك، أن يتحايل على الموقف بتكتيكات مكشوفة، لم تنطلي على الجماهير الثائرة، بل كشفت مكرها وخداعها فى حينها.
وفى نهاية المطاف، لم يكن أمامه مفر سوى الرضوخ لرغبة الشارع الثائر – كرها لا طوعا – وسلم بالواقع، وتنحى فى 11 من فبراير. وتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير طنطاوي السلطة مؤقتا، ممهدآ لإنتخابات رئاسية وبرلمانية أتت بمحمد مرسي رئيسا للجمهورية، ولكن سرعان ما أنقض الجيش على التجربة الديموقراطية الوليدة، بعد أقل من عام آتيًا بحكم شمولي آخر.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة هنا، إختفاء أشخاص تلك المرحلة عن المشهد السياسي – والذين كنا نحسبهم قادة مصر للمستقبل – كأحمد شفيق ومحمد البرادعي وعمر موسي وحمدين صباحي، وغيرهم من شباب الثورة، الذين تصدوا للطغيان وأبلوا بلاءًا حسنا فى ذاك الحين.
وفي 17 فبراير، إندلعت شرارة الثورة الليبية وكان العقيد القذافي، يظن إنه فى مأمن من تداعياتها، ويعيش على وهم تملكه لقوة خارقة تحول بينه وبين السقوط، لكن سرعان ما تحولت الإحتجاجات السلمية إلى ثورة مسلحة، حصدت مئات الأرواح وقتل العقيد بطريقة بشعة في 20 أكتوبر، ثم تحولت الثورة إلى حرب أهلية هتكت النسيج الإجتماعي وأهدرت الثروة النفطية، ودمرت البنية التحتية، وقادت البلاد إلى جرف الإنقسام وحافة التمزق.
وبعد محاولات متعددة ومضنية قامت بها دول الجوار، والأمم المتحدة، توصل الفرقاء إلى إتفاق هش محفوف بالمخاطر، يفضى إلى إنتخابات فى ديسمبر المقبل، تؤسس لدولة فدرالية على إعتبار جهوي.
وفي27 يناير، كانت إطلالة ثورة اليمن – والتى كانت لها زخم شبابي – كاسح قوامه طلاب وطالبات جامعة صنعاء، والذي حافظ على سلميته طوال فترة الحراك – بالرغم من مجزرة جمعة الكرامة – التى راح ضحيتها 52 شهيدا، وإنضم إلى الثورة فى مرحلة لاحقة بعض قادة الجيش بقيادة على محسن الأحمر.
أبدى الرئيس على عبد الله صالح، بعض التنازلات كعدم ترشحه مره أخرى، وعدم توريث السلطة لإبنه أحمد، مما زاد جذوة الثورة إشتعالا.
في 21 فبراير 2012، أذعن مجبرا، ووقع على المبادرة الخليجية، وتنحى عن السلطة لنائبه منصور هادي.
وتوالت الأحداث التراجيدية، وقتل الرئيس على عبد الله صالح، على أيدي الحوثيين وتحول اليمن السعيد، الى ساحة حرب أهلية وجهوية وقبلية وطائفية عصية على الحلّ.
فى 15 مارس، إنطلقت الثورة السورية، والتى أدت هى الأخرى إلى حرب أهلية طائفية فى مواجهة نظام عميل، متواطيء مع قوى إقليمية ودولية لم يتورع فى قتل الآلاف من أبناء شعبه، بالبراميل الحارقة والأسلحة المحرمة دوليا ودمر مدنًا وقرى بكاملها وهجر الملايين داخل وخارج سوريا، فى أكبر مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.
وجعل من أرض سوريا الأبية، حقل تجارب لأسلحة الدمار الشامل الروسية والأمريكية. في ظل هذه الفوضى الضاربة للمنطقة تسربت المخابرات الأجنبية إلى الداخل السوري، والعراقي والليبي وزرعت بيسر وسهولة تنظيمات إرهابية، وعلى رأسها تنظيم داعش ومدتهم بالسلاح والعتاد، وجندت الآلاف من المقاتلين من داخل وخارج الوطن العربي، وبذلك هيأت الجو للتدخل العسكري، بحجة القضاء على الإرهاب.
كانت الشعوب العربية فى الأقطار الأخرى، تراقب وترصد وتتابع الأحداث بإهتمام وحذر ، تقارن وتقارب بين واقعها البائس وبين الإفرازات المأساوية لتلك الثورات وأضحت الفزاعات السورية والعراقية واليمنية والليبية، بعبعا مخيفا تقض مضاجع الشعوب التواقة إلى الحرية والكرامة والرفاهية، وتقف حائلا دون الوصول تلك الأهداف البديهية و المشروعة.
وساد زمان من اليأس والقنوط إمتد لأكثر من 8 سنوات، حتى أيقن الكثيرون بأن الأمة لن تفيق من سباتها ولن تنهض من جديد.
فإذا بالموجة الثانية من الربيع العربي، تفاجيء معظم المراقبين والمتابعين، تأتى من السودان وتسقط الطاغية عمر البشير وتتلازم معها ثورة الجزائر وتسقط بوتفليقة.
لم يمض وقتا طويلا حتى ثار الشعب اللبناني والشعب العراقي، ضد النظامين الطائفيين في بلديهما، بعد أن إستشرى الفساد فيهما بصورة غير مسبوقة.
وكان لتفشى جائحة كورونا الأثر البالغ فى تعطيل مسار تلك الثورات، وفي إرباك وخلط الأوراق بين المكونات الإجتماعية والسياسية الداعمة لتلك الحركات.
في السودان عاد العسكر إلى صدارة المشهد السياسي، بإتفاقية معيبة مع قوى الحرية والتغيير وعبر وثيقة دستورية تكتنفها الثقوب والثغرات وتفسر على أكثر من رواية فى كثير من موادها، أتاحت للمكون العسكري خرقها بالتعديل والتبديل و الإضافة.
ولا يزال التحول الديموقراطي المدني بعيد المنال.
تفاقمت الأزمة الإقتصادية وإنفرط عقد الأمن والأمان، وإشتدت وتيرة الحروب الأهلية والنزاعات القبلية و الجهوية وأتخذت قرارات خطيرة من خلف ظهر الشعب وقدمت تنازلات بلا مقابل قفزت على المسلمات وتجاوزت الخطوط الحمراء كالتطبيع مع العدو الصهيوني، وإلغاء المقاطعة الإقتصادية معه والتوقيع على إتفاقية أبراهام وسيداو، ووضع البلاد تحت طائلة البند السادس لميثاق الأمم المتحدة و ما خفي أعظم.
والخرطوم تجلس على صفيح ساخن، تقبع على أطرافه أربعة جيوش متباينة في الرؤى والأهداف، ولكل منها مرجعيتها وأجندتها الخاصة، والجيش الخامس كامن داخل المدن بكامل رجاله وعتاده وأسلحته، وهو ما يعرف بكتائب الظل من مليشيات النظام البائد.
فى الجزائر، أوصل الحراك الشعبي الثوري الرئيس عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم، خلفا للرئيس بوتفليقة، وستجرى إنتخابات برلمانية في الثانى عشر من هذا الشهر، قاطعتها الأحزاب اليسارية وينظر إليها الشارع بشيء من الريبة والحذر من العواقب، وفى الذاكرة الحرب الأهلية والعشرية السوداء (1992 -2002).
خلال السنوات العشرة الماضية، حدثت إنتفاضات شعبية متفاوتة فى الحجم وفي القوة وفي البعد السياسي والإجتماعي والديني، في كل من البحرين وعمان والأردن والكويت والمغرب وموريتانيا وجيبوتي.
و عولجت بمسكنات وقتية كزيادة الأجور و إطلاق بعض المعتقلين السياسيين و بتعديل جزئي لمواد دستورية ليست اساسية و برفع الظلم عن مناطق مهمشة فى بعض تلك الدول.
وفى محاولة موجزة لسبر أغوار تلك الثورات، نجد في معظمها سمات وملامح مشتركة، فكلها فرضتها وأملتها اللحظة التاريخية الفاصلة بين عهد وعهد، بعد أن إكتملت شروطها، فجاءت عفوية وبلا تدبير مسبق، وبلا قائد معروف يقودها.
وكل من أمتطى صهوتها هو متطفل عليها، وهذا يفسر لنا التيه والضياع اللذان صاحبا إنتصار تلك الثورات، حينما فقدت الربان الصادق، الملتزم بأهدافها وقيمها ووقعت تحت رحمة الوصوليين والإنتهازيين.
وكانت جميعها سياسية بإمتياز، تنشد الحرية والكرامة والديموقراطية، وإن ظهرت مطلبية فى بداياتها، وهذا يفسر لنا أيضا إمتدادتها إلى دول الخليج العربي الغنية.
ونلاحظ أن الشعار الموحد لها كان ثابتا فى كل الدول، (الشعب يريد إسقاط النظام)، وليس إصلاحه، وهو إنعكاس لحالة يأس وإحباط من الأنظمة العربية الحاكمة، كنتاج تراكمي فى المخيلة العربية، بسبب الهزائم العسكرية والسياسية المتلاحقة، وما تبعها من إتفاقيات مهينة فى كامب دايفيد ووادي عربة وأوسلو، والتى أطلقت يد العدو الصهيوني ليضرب العمق العربي فى العراق وسوريا والسودان وغزة بلا رادع أو متصدي.
والقاسم المشترك الآخر، يتمثل في أن تلك الأنظمة المستبدة هى وليدة إنقلابات عسكرية، إستمرت فى سدة الحكم لأكثر من ثلاثة عقود، أو نتيجة حكم وراثي عضوض، ملكي أو أميري وفى كلتا الحالتين، لم يسمح للشعب أن ينظم نفسه بحرية، وأن يبني ويؤسس لأحزاب وحركات سياسية تعبر بصدق عن تطلعات ورغبات تلك الشعوب.
وكانت المساحة الهامشية والتى تعطى – تكرما – مقيدة وتحت رقابة أجهزة الأمن، مما أعطى المبرر للعمل السياسي السري تحت غطاء الدعوة والإرشاد والتوجيه وتمكنت من خلاله جماعة الإخوان المسلمين، من توطيد صلاتها بالمجتمع وتنظيم قواعدها وتدريب كوادرها، ووجدت مرتعا خصبا نمت وترعرعت فيه بما تملك من خبرة تنظيمية، وإمكانيات مالية مهولة، فملأت الفراغ السياسي، وبرزت كقوى معتبرة، عندما هوت أنظمة الحكم بفعل الثورات الشعبية، ونرى هذا واضحا في مصر والسودان واليمن وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والكويت وسوريا وليبيا.
ولعل السمة البارزة والهامة في هذا السياق، تتمثل فى جنوح ظاهر لبعض القوى الإقليمية لوأد ثورات الربيع العربي، بشراء الذمم، ومدها بالسلاح والمال، وبالتدخل المباشر أحيانا.
ولا أستطيع أن أجزم، إذا كان هذا فعلآ إراديًا ذاتيًا، أم هو تنفيذ لمخطط معد مسبقًا من جهات أجنبية، وإن كنت أميل إلى الافتراضية الثانية.
في المعطيات الموضوعية الماثلة أمامنا، يصبح الإقرار واجبًا بأن مخلفات وتوابع الربيع العربي كانت كارثية على الوطن العربي على كل المستويات، إذ جعلت المنطقة تتصارع وتتعارك مع عدو وهمي، تاركة العدو الحقيقي يصول ويجول على أرضها، وفوق سمائها، وانكفأت كل دولة على نفسها تندب حظها العاثر، وتبكى على أطلالها وتتوجس من مستقبل غامض بعد دمار حاضرها، وفقدان ما كانت تدخره من أدوات ومعاول فى إحداث التغيير الإيجابي.
ووهن الشعور القومي العربي، وتوارت القضية الفلسطينية المركزية، وقبعت فى ذيل الإهتمامات، وأضحت عملية الإصلاح القطري أو الجمعي، عصية فى واقع متدحرج بإستمرار نحو الأسوأ.
هذا لا يعني بالضرورة الإستسلام، ووضع السلاح أرضا، ورفع الراية البيضاء، وبقدر ما هو حافز ودافع لرفع الهمم فى مواجهة تحدي لمصير لا يمكن الهروب منه، يلزم الإعداد العلمي والموضوعي لمسيرة طويلة، ثم ترتيب الأولويات، وصولا لبناء تنظيمات ذات ثقافة ديموقراطية تقبل الرأي والرأي الآخر، وتتفاعل وتتشابك معها وفق رؤية قومية شاملة لا تقصي أحدا.
وعلى المستوى الوطني، تبنى المؤسسات السياسية على هدى المواطنة، بعيدا عن روح العصبية القبلية أو العشائرية أو الطائفية أو الجهوية.
والجهد يتعدى مقدرة فردن ويتطلب عملا مشتركا يؤسس لمراكز دراسات سياسية وعلمية وثقافية، تدرب كوادر مؤهلة تعنى ببناء المشروع وتطويره، ليأتي أكله ولو بعد حين.
هذا من المنظور العام. ومن المنظور الخاص، أقول يقينا أن شباب هذه الأمة قادر على فعل ما يظن أنه مستحيلا، كما يقف الآن شباب فلسطين، أمام الآلة العسكرية الصهيونية، ومن خلفها أميركا، فى صمود وثبات وإيمان، ألجم العدو ودحره، وأعاد الثقة بالنفس وبالقدرة على التغيير مهما كانت الصعاب والعقبات.
هذه القوة الكامنة والظاهرة، تمثل ضوءًا فى النفق المظلم، وسيهدي حتما إلى طريق النصر وإن طال السفر.
======================
ه



