مقالات
أبي لم يكن يفعل شيئاً.. لماذا افتقدته الى هذا الحدّ؟!

“المدارنت”..
عندما كنت صغيرة بدا لي أن الأب مثل مصباح الثلاجة ،،ففي كل بيت مصباح في الثلاجة لكن لا أحد يعرف تماماً ماذا يفعل حين ينغلق باب الثلاجة.. كان أبي يغادر البيت كل صباح، وكان يبدو سعيداً برؤيتنا ثانية. حين يعود عند المساء..
كان يفتح سدادة قارورة المخللات على المائدة حين يعجز الجميع عن فتحها.. كان الوحيد في البيت لا يخشى النزول بمفرده إلى القبو..كان يجرح وجهه و هو يحلق ذقنه،لكن أحداً لم يتقدّم ليقبله أو يهتم بما حصل له،، حين يمرض أحدنا نحن الأولاد كان هو من يذهب للصيدلية لإحضار الدواء.
كان دائماً مشغولاً، كان يقطع أغصان الورد في الممر الى باب المنزل ليومين، ویعاني من وخزات الأشواك.. ونحن نسير للباب الأمامي للمنزل …
هو الذي كان (يزيّت) عجلات مزلاجي كي تجري على نحو أسرع… وحين حصلت على دراجتي الهوائية.. كان هو الذي يركض إلى جانبي، وقطع ألف كيلومتر على الأقل، قبل أن أسيطر عليها وحدي واتعلم القيادة.
هو الذي كان يوقع بيانات علاماتي المدرسية.. وقد أخذ لي صوراً لا تحصى من دون أن يظهر في واحدة منها.. و هو الذي كان يشد لأمي حبال الغسيل المرتخية. و كنت أخاف من آباء كل الأولاد إلا أبي لا أخاف منه.
أعددت له الشاي ذات مرة، وكان عبارة عن ماء فيه سكر من دون شاي، ومع ذلك جلس في المقعد الصغير، و أخبرني أنه كان لذيذاً ،،، وبدا مرتاحاً جداً.. عندما كنت ألهو بلعبة البيت كنت أعطي الدمية الأم مهمات كثيرة، ولم أكن أعرف ماذا أوكل من الأعمال للدمية الأب، لذلك كنت أجعله يقول: أنني ذاهب للعمل الآن، ثم أقذف به تحت السرير…
ذات صباح، عندما كنت في التاسعة من عمري، لم ينهض أبي ليذهب الى العمل.. ذهب إلى المستشفى، ووافته المنية في اليوم التالي.. ذهبت الى حجرتي، وتلمست تحت السرير بحثاً عن الدمية الأب، وحين وجدته، نفضت عنه الغبار ووضعته على الفراش…
لم أكن أتصور أن ذهابه سيؤلمني الى هذا الحد… لكن ذهابه لا يزال يؤلمني جدا حتى الآن وافتقده..



